السيد نعمة الله الجزائري
141
الأنوار النعمانية
ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة ، ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة ، ومنها ما يكره ذلك بسبب جميعها كالحج والجهاد وهذه الأمور تحتاج الصّبر قبل العمل وحاله وبعده ، امّا قبله فبأن يصيّر نفسه على تصحيح النّية والإخلاص عن شوائب الرياء ودواعي الآفات ، وهذا يحتاج إلى صبر شديد على ما تقدم في تحقيق النّية وهو الذي قصر تعالى امره عليه في قوله وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وامّا حالة العمل فلئلا يغفل عن ذكر اللّه تعالى في أثناء عمله ويدوم على شروط العمل إلى آخره ، واما بعد الفراغ فيحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتّظاهر به للرياء والسمعة وعن كل ما يحبط اجره . وثالثها المعاصي وما أحوج العبد إلى الصبر عنها ، وذلك انّ المعاصي خصوصا الكذب والغيبة مألوفة بالعادة فان العادة طبيعة خامسة ( خاصة ج ) وإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند اللّه عز وجل ، وكلما كان الذنب ألذّ على النفس كان الصبر عنه أثقل كالصبر على الغيبة واستحقار النفس فان ظاهره غيبة وباطنه ثناء على النفس ، فللنفس فيه شهوتان نفي الغير واثبات نفسه وبهما يتم له الربوبيّة التي في طبعه وهي ضدّ ما امر به من العبودية ، ورابعها ما لا يرتبط هجومه باختياره كما أوذي بفعل أو قول أو جنى عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجبا ، وتارة يكون فضيلة ، خامسها ما لا يدخل تحت الاختيار أوله ولا آخره كالمصائب مثل موت الأعزّة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء ، والصبر على هذا لا يخلو من اشكال ، وحيث انتهى بنا الحال إلى هذا فلا بأس ببسط الكلام في هذا المقام . فنقول ان شيخنا الشهيد الثاني نور اللّه ضريحه قد كتب رسالة وسمّاها مسكن الفؤاد عند فقد الأحبّة والأولاد ، وقد نظمها على سلك غريب ونمط عجيب الا انها لا تخلو من بعض الزوائد « 1 » فأحببنا تحرير دلائلها وان تضيف إليها ما سنح بالبال ونضيف إليها بعض الأخبار ، فنقول اعلم اوّلا انّه قد ثبت انّ العقل هو الآلة التي بها عرف اللّه تعالى وصدق الرّسل والتزم أحكام الشّرائع ، ومثله كالنور في الظلمة يزيد وينقص ، فينبغي لمن رزقه اللّه العقل ان يعمل بمقتضاه ويجعله حاكما له وعليه ويراجعه فيما يرشده اليه فيكشف له الرضا بالقضاء سيّما بفراق الأحباب من وجوه كثيرة .
--> ( 1 ) . رسالة لطيفة شريفة ليس فيها بعض الزوائد وفرغ شيخنا الشهيد الثاني قدس سره من تأليفها سنة ( 954 ) ه وسبب تصنيفه لها كثرة ما توفى له من الأولاد بحيث لم يبق منهم أحد الا الشيخ حسن صاحب المعالم العلامة المحقق الشهير وكان لا يثق بحياته وقد استشهد وهو ابن أربع سنين أو سبع سنين وهذه الرسالة مطبوعة سنة ( 1342 ) ه في النجف الأشرف .