السيد نعمة الله الجزائري

14

الأنوار النعمانية

عيسى روح اللّه يمشي على الماء وانا امشي على الماء فما فضله عليّ ، قال فرمس في الماء فاستغاث بعيسى عليه السّلام فتناوله من الماء فأخرجه ثم قال له ما قلت يا قصير ؟ قال قلت هذا روح اللّه يمشي على الماء فدخلني من ذلك عجب ، فقال له عيسى لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك اللّه فيه فمقتك اللّه على ما قلت فتب إلى اللّه تعالى ممّ قلت قال فتاب الرجل وعاد إلى مرتبه التي وضعه اللّه فيها ، فاتقوا اللّه ولا يحسدن بعضكم بعضا وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كاد الفقر ان يكون كفرا ، وكاد الحسد ان يغلب القدر ، وقال الصادق عليه السّلام انّ المؤمن يغبط ولا يحسد ، وان المنافق يحسد ولا يغبط ، وفي خبر معاذ الطويل ان صلاة الحاسد ترد من السماء الخامسة ، وقال الصادق عليه السّلام الحاسد مضرّ بنفسه قبل ان يضرّ بالمحسود كإبليس أورث بحسده له اللّعنة ولآدم عليه السّلام الاجتباء والهدى والرّفع إلى محل حقائق العهد والاصطفاء ، فكن محسودا ولا تكن حاسدا فانّ ميزان الحاسد ابدا خفيف يثقل ميزان المحسود ، والرزق مقسوم فما ذا ينفع الحسد الحاسد ، وما يضرّ المحسود الحسد ، والحسد يهيج خمسة أشياء : أحدها افساد الطّاعات لما عرفت من أنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ، والثاني فعل المعاصي والشرور ، والثالث التعب والغم من غير فائدة بل مع كل وزر ، والرابع الحرمان والخذلان فلا يكاد يظفر بمراد ولا ينصر على عدوّ ، وكيف يظفر بمراده ومراده زوال نعم اللّه عن عباده ، وكيف ينصر على أعدائه وهم عباد اللّه الّذين ساق إليهم النعم لتأهّلهم لها . فان قلت قد ظهر من هذه الأخبار والكلمات انّ الحاسد لا يضر المحسود ولا يكون حسده باعثا لزوال نعم اللّه سبحانه فكيف يجمع هذا مع قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كاد الحسد ان يغلب القدر ، فانّ ظاهره انّ للحسد تأثيرا شديدا في أمر المحسود وزوال النّعمة عنه ، قلت وجه الجمع انّ الحاسد وان كان سببا في زوال تلك النعمة عن المحسود كتأثير العين الصّائبة الّا انه ينقل المحسود من نعمة حقيرة إلى نعمة جزيلة ، امّا في الدّنيا بأن يكون الحاسد مثلا سببا في زوال نعمة تأتي المحسود من بعض إخوانه ، فأوقع الحاسد أمورا منعت من وصول تلك النعمة اليه كما يتفق في كثير من الأوقات ، فإذا كان كذلك ساق اللّه سبحانه تلك النعمة اليه من محل آخر بناء على ما عرفت من انّ الرزق مقسوم ، ومن قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه واجملوا في الطلب ، وامّا في الآخرة والأمور المتعلقة بها فقد يكون حسد الحاسد باعثا لارتقاء درجات المحسود كما في حكاية إبليس لآدم عليه السّلام فإنه انما ارتقى إلى درجة الاصطفاء والعصمة بأعماله العظيمة التي وقعت بعد الحسد إذا عرفت هذا فأعلم انه قد بقي هنا أمور : الأول حقيقة الحسد هو انبعاث القوة الشهوية إلى تمني مال الغير أو حاله التي هو عليها وزوالها عن ذلك الغير وهو مستلزم لحركة القوة الغضبية ولذلك قال علي عليه السّلام الحاسد