السيد نعمة الله الجزائري

130

الأنوار النعمانية

ولا ينحل بدني ، وان أردت وصف حال المحبين فانظر في أحوال يحيى بن زكريا عليهما السّلام تجد حالا غريبا وطرازا عجيبا . روينا بالأسانيد الكثيرة عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم انّه قال كان من زهد يحيى بن زكريا عليهما السّلام انّه أتى بيت المقدس فنظر إلى المجتهدين من الأحبار والرهبان عليهم مدارع الشعر وبرانس الصوف ، وإذا هم قد خرقوا تراقيهم وتركوا فيها السلاسل وشدّوها إلى سواري المسجد ، فلمّا نظر إلى ذلك أتى أمه فقال يا أماه انسجي لي مدرعة من شعر ، وبرنسا من صوف حتى آتي بيت المقدس فأعبد اللّه مع الأحبار والرهبان ، فقالت له امّه حتى يأتي نبي اللّه فأوامره في ذلك ، فلما دخل زكريا عليه السّلام أخبرته بمقالة يحيى ، فقال له زكريا يا بني ما يدعوك إلى هذا وانّما أنت صبي صغير ، فقال له يا ابه اما رأيت من هو أصغر سنا من قد ذاق طعم الموت ، قال بلى ، ثم قال لأمه انسجي له مدرعة من شعر وبرنسا من صوف ، ففعلت فتدرع بالمدرعة على بدنه ووضع البرنس على رأسه ، فأقبل يعبد اللّه عز وجل مع الأحبار حتى اكلت مدرعة الشعر لحمه ، فنظر يوما إلى ما قد نحل من جسمه ، فأوحى اللّه عز وجل اليه أتبكي على ما قد نحل من جسمك ؟ وعزتي وجلالي لو اطّلعت إلى النار اطلاعة لتدرعت مدرعة الحديد فضلا عن المنسوج ، فبكى حتى أكلت الدموع لحم خدّيه ، ثم بدا للناظرين أضراسه فبلغ ذلك أمه ، فدخلت عليه وأقبل زكريا واجتمع الأحبار والرهبان فأخبروه بذهاب لحم خدّيه ، وقال ما شعرت بذلك . فقال زكريا ما يدعوك إلى هذا انّما سألت ربّي ان يهبك لي لتقرّ بك عيني ، قال أنت امرتني بذلك يا ابه ، قال ومتى ذلك يا بني ؟ قال ألست القائل ان بين الجنة والنار لعقبة لا يجوزها الا البكّاؤن من خشية اللّه تعالى ، قال نعم فجد واجتهد فشأنك غير شأني ، فقام يحيى فنفض مدرعته فأخذته أمه فقالت أتأذن لي يا بني ان اتّخذ لك قطعتي لبود تواريان اضراسك ، وينشفان دموعه ، حتى ابتلتا من دموع عينيه ، فحسر عن ذراعيه ثمّ أخذهما فعصرهما فتحدّر الدموع من بين أصابعه ، فنظر زكريا إلى ابنه وإلى دموع عينيه فرفع رأسه إلى السماء فقال اللهم هذا ابني وهذه دموع عينيه وأنت ارحم الراحمين . وكان زكريا عليه السّلام إذا أراد ان يعظ بني إسرائيل يلتفت يمينا وشمالا فإذا رأى يحيى لا يذكر جنة ولا نارا ، فجلس ذات يوم يعظ بني إسرائيل وأقبل يحيى فلف رأسه بعباه وجلس في غمار الناس والتفت زكريا يمينا وشمالا فلم ير يحيى ، فأنشأ يقول حدّثني حبيبي جبرئيل عليه السّلام عن اللّه عز وجل انّ في جهنم جبلا يقال له السكران في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان يغضب لغضب الرحمن تبارك وتعالى ، في ذلك الوادي جبّ قامته مأة عام ، في ذلك الجبّ توابيت من نار ، في تلك التوابيت صناديق من نار وأغلال من نار ، فرفع يحيى رأسه وقال