السيد نعمة الله الجزائري

110

الأنوار النعمانية

من احتاج إلى قلع شجرة صغيرة لا تنقلع الا بمشقة شديدة فقال اؤخّرها ثمّ أعود إليها وهو يعلم انّها كلّما بقيت ازداد رسوخها وهو كلّما زاد عمره ضعفت قوّته فلا حماقة أعظم من حماقته . واما انتظار عفو اللّه فعلاجه الفكر في انّ العفو ليس بواجب على اللّه فهو كمن أنفق جميع ماله وترك نفسه وعياله فقراء فينتظر انّ اللّه سيطلعه على كنز من الكنوز في أرض خربة وهذا أيضا حماقة . وما أحسن كلاما وقع الينا من سيدنا المرتضى نور اللّه ضريحه ، وحاصله الاعتراض على الإنسان بأنّه إذا أذنب ذنبا يقول نرجو عفو اللّه فيعتمد على العفو مع انّه تعالى لم يوجبه على نفسه ، والذي أوجبه على نفسه وهو ايصال الرزق لم يصدّق اللّه فيه ولم يعتمد عليه ، فيطلبه في البراري والبحار وهو تعالى يقول وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فهو سبحانه قد ضمن ايصال الرزق إلى كل واحد فكيف لا تعتمد عليه فيما ضمنه لك واعتمدت عليه فيما لم يوجبه على نفسه ، ولو ضمن لك ألف دينار رجل نصراني له بعض الاعتبار بين التجار كنت تصدّقه وتعتمد على ضمانه فكيف لا تعتمد على ضمان من له خزائن السماوات والأرض ما هذا الا سفه وجهل . فان قيل هذا موقوف على الفكر فما بال القلوب هجرت الفاكر وما علاج القلوب لردّها اليه ، قلنا المانع لها منه أمران أحدهما انّ الفكر في مقدمات الآخرة لداع مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ويتلذذ بالفكر في أمور الدنيا على سبيل التّفرج والاستراحة ، وثانيهما انّ الفكر مشغول بلذات الدنيا في كل حين فصار عقله مسخّرا لشهوة ( لشهوته خ ل ) فهو مشغول بتدبير حيلته ، وامّا علاجهما فبأن يقول لقلبه إذا تألمت من الفكر في أمور الآخرة فكيف لا تخاف من الألم على ورودها عليك ومواقعتها لك ونظير هذه التّفكرات . إذا عرفت هذا فاعلم انّ الإصرار امّا فعلي وهو المداومة على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الأكثار من جنس الصغائر بلا توبة ، واما حكمي وهو العزم على فعل الصغيرة بعد الفراغ منها ، امّا من فعل الصغيرة ولم يخطر بباله بعدها توبة ولا عزم على فعلها فالظّاهر انّه غير مصر ، ولعلّه ممّا تكفّره الأعمال الصالحة من الوضوء والصلاة والصيام كما ورد في الأخبار . الأمر الخامس الذنب ان لم يستتبع امرا آخر يلزم الإتيان به كفى الندم والعزم على عدم العود اليه ابدا كلبس الحرير وان تبعه امر آخر من حقوق اللّه أو الناس وجب ذلك الأمر أيضا كالعتق في الكفارة وقضاء الفوائت ، وان كان حدّا فهو مخيّر بين ان يتوب عنه بينه وبين ربه وهو الأولى وبين ان يقرّبه عند حاكم الشرع ليقيم عليه الحدّ .