السيد نعمة الله الجزائري

103

الأنوار النعمانية

العلّيين وهو اسم واقع على ست معان ، أولها الندم على ما مضى ، الثاني العزم على ترك العود اليه ابدا ، الثالث ان تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه أملس ليس عليك تبعة ، الرابع ان تعمد إلى كل فريضة عليك ضيّعتها فتؤدي حقها ، الخامس ان تعمد إلى اللّحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، السادس ان تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية . ومنها ما رواه الكليني طاب ثراه باسناده إلى الصادق عليه السّلام قال ما من مؤمن يقارف في يومه وليلته أربعين كبيرة فيقول وهو نادم استغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيّوم بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام وأسأله ان يصلي على محمد وآل محمد وان يتوب علي الا غفر اللّه عز وجل له ، ولا خير فيمن يقارف في يوم أكثر من أربعين كبيرة ، ومنها ما روي في الأخبار انّ التوبة هي الندم على ما سلف والعزم على أن لا يعود ، إلى غير ذلك من الأخبار . واما الأقوال فمنها ما قيل إن التوبة ذوبان الحشا لما سبق من الفحشاء ، ومنها انّها نار في القلب تلتهب وتصدع في الكبد لا ينشعب ، ومنها ما قيل انّها خلع لباس الجفا ونشر بساط الوفا ، ومنها ما قيل انّها تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ، ومنها ما قيل إنها رجوع الأبق عن الجرم السابق ، والكلام الجامع في هذا الباب ما قاله صاحب الأحياء وهو ان التوبة لا تحصل الا بحصول أمور ثلاثة : أولها معرفة ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد ومحبوبه وسموما قاتلة لمن يباشرها فإذا عرف ذلك وتيقنه حصل له من ذلك حالة ثانية هي التألم لفوات المحبوب والتأسف من فعل الذنوب وهذا التألم والتأسف هو المعبر عنه بالندم وإذا غلب هذا الألم حصل له حالة ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة تعلق بالحال والأستقبال والمضي فالمتعلق بالحال هو ترك ما هو مقيم عليه من الذنوب والمتعلق بالأستقبال هو العزم على عدم العود إليها إلى آخر العمر والمتعلق بالماضي تلافي ما يمكن تلافيه من قضاء الفوائت والخروج من المظالم فهذه الثلاثة اعني المعرفة والندم والقصد إلى المذكورات أمور مترتبة في الحصول وقد يطلق على مجموعها اسم التوبة وكثيرا ما يطلق على الثاني اعني الندم وحده ويجعل المعرفة مقدمة لها وذلك القصد ثمرة متأخرة عنها وقد يطلق على مجموع الندم والعزم انتهى . أقول ومن هنا اختلفت الأخبار والأقوال وللاختلاف وجه ألطف وأدق من هذا وهو ان للتوبة درجات ومراتب وفوائد مختلفة فأقل درجاتها احباط العذاب المترتب على ذلك الذنب وهذا هو المراد من التوبة قبل المعاينة الواقعة في الحديث الأول وأعلى درجاتها وفوائدها اسقاط العقاب والفوز بأعلى الكرامات مع الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والعباد الصالحين وهذا لا يكون بمجرد التوبة قبل المعاينة بل لا بد فيه من اتعاب البدن واعمالها في الأعمال وهذا هو التوبة