السيد نعمة الله الجزائري
101
الأنوار النعمانية
تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ فإذا كانت السيئات مكفرة فلا يترتب عليها ضرر يجب دفعه ولكن حكاية الندم على القبيح تعم القسمين . واما الوجوب الفوري فعليه المعتزلة وأصحابنا الأمامية ، وذلك لأنّ المعاصي للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان فإن كان الخائف من الهلاك في هذه الدنيا المنقضية يجب عليه ترك السموم وما يضره من المأكولات في كل حال وعلى الفور فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب عليه ذلك ، وان كان متناول السم إذا ندم يجب عليه ان يتقا على سبيل الفور تلافيا لبدن المشرف على هلاك لا يفوت عليه الّا هذه الدنيا الفانية فمتناول سموم الدين وهي الذنوب أولى بأن يجب عليه الرجوع عنها ليتدارك النّعيم المقيم والملك العظيم وفي فواته العذاب المقيم ، فالبدار البدار إلى التوبة قبل ان تعمل سموم الذنوب بروح الأيمان عملا يجاوز الأمر اختبار الأطباء ولا ينفع بعده الأحتماء فلا ينجح بعد ذلك وعظ الواعظين ، ويدخل في قوله وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ولا يعزّنّك اطلاق لفظ المؤمن على هذا فانّ نيران الذنوب إذا أكلت الفروع أكلت الأصل لأنّه لا استمرار لبقاء الأصل بدون الفرع ومن سوّف التوبة يكون على خطرين . الأول ان يعاجله الأجل فلا يبقى له وقت تدارك التوبة ، كما قال تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قال بعض المفسرين ان المحتضر يقول عند كشف الغطاء يا ملك الموت أخّرني يوما اعتذر فيه إلى ربي وأتوب اليه وأتزود صالحا ، فيقول فنيت الأيام ، فيقول أخرني ساعة ، فيقول فنيت الساعات ، فيغلق عنه باب التوبة ويغرغر بروحه إلى النار ويتجرع غصة اليأس وحسرة الندامة ، وربما عدل به شياطين العديلة ومن ثم استحب تلقين المحتضر كلمات الفرج لتطرد عنه شياطين العديلة التي تعدله عن الأيمان إلى الكفر . الثاني ان تتراكم الذنوب على قلبه إلى أن تصير طيعا فلا يقبل المحو ، فانّ كل معصية يفعلها الإنسان يحصل منها ظلمة في قلبه فإذا تراكمت اسود القلب ، وعبّر عنه بالقلب المنكوس والقلب الأسود . كما روي عن الأمام أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام قال كان أبي يقول ما من شيء أفسد للقلب ليواقع الخطيئة فلا يزال به حتى يغلب عليه فيصير أعلاه أسفله ، فإذا آل أمره إلى هذا الحال صارت ذنوبه مزيّنة في نظره فلا يرغب في التّوبة بل ربما زادت في تلك المعاصي ، ومن هذا ذهب جماعة من المسلمين إلى انّه لو أخّر التوبة ساعة واحدة حصل له اثم آخر يجب التوبة منه أيضا ، ففي ساعتين اربع ذنوب وهكذا فيكون عليه في اليوم الواحد آلاف من الذنوب .