السيد نعمة الله الجزائري
43
الأنوار النعمانية
ولقد شاهدت السباع والهوام رابضة في جنب تلك المدينة ، وبنوا آدم يمرون عليها فلا تؤذيهم ، فلما قدمنا المدينة صعدنا فرأينا مدينة عظيمة كثيرة الخلق وسيعة الربعة فيها الأسواق الكثيرة والمعاش ( شر خ ) العظيم ويرد إليها الخلق من البر والبحر وأهلها على أحسن الوجوه قاعدون لا يكون على وجه الأرض من الأمم والأديان مثلهم وأمانتهم حتى أن المتعيّش بسوق المدينة يرد اليه من يبتاع منه حاجته اما بالوزن أو بالذراع فيبايعه ليها ثم يقول يا هذا زن لنفسك وابتزن لنفسك فهذه صورة مبايعتهم لا يسمع منهم لغو المقال ولا النميمة ولا يسبّ بعضهم بعضا وإذا نادى المؤذن للاذان لا يتخلف منهم مختلف ذكرا كان أو أنثى الا سعى إلى الصلاة ، حتى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض رجع كل منهم إلى بيته حتى يكون وقت صلاة أخرى فيكون الحال كما كانت . فلما دخلنا المدينة وارسينا بمشرعنا امر بحضورنا عند السلطان فحضرنا داره ودخلنا إلى بستان في وسطه قبّة من فضة والسلطان في تلك القبة وعنده جماعة ، وفي باب القبة ساقية تجري ، فوافينا القبة وقد أقام المؤذن الصلاة ، فل يكن اسرع من امتلاء البستان بالناس وأقيمت الصلاة وصلّى بهم جماعة ، فلا واللّه لم تنظر عيني اخضع للّه منه ولا الين جانبا لرعيته فصلّى من صلّى مأمونا ، فلما قضيت الصلاة التفت وقال هؤلاء القادمون ؟ قلنا نعم وكانت تحيّة الناس له ومخاطبتهم يا ابن صاحب الامر ، فقال على خير مقدم فقال أنتم تجار أم ضيفان ؟ فقلنا تجّار فقال من فيكم المسلم ومن فيكم أهل الكتاب فعرفناه ذلك ، فقال ان للاسلام فرقا وشعبا فمن أي قبيل أنتم ، وكان معنا شخص يعرف بالمعزي اسمه آذربهان بن أحمد الأهوازي يزعم أنه على مذهب الشافعي ، فقال انا رجل شافعي قال فمن على مذهبك من الجماعة ، قال كلنا الا هذا حسان بن عنب فإنه رجل مالكي فقال أنت تقول بالاجماع ، قال نعم قال إذا تعمل بالقياس ، ثم قال باللّه يا شافعي تلوت ما انزل يوم المباهلة ، قال نعم قال ما هو قوله تعالى فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ فقال باللّه عليك من أبناء الرسول ومن نسائه ومن نفسه ؟ فأمسك آذربهان ، فقال باللّه هل بلغك أو اتاك ان غير الرسول والوصي والبتول والسبطين دخل تحت الكساء ؟ قال لا فقال واللّه لم تنزل هذه الآية الا فيهم ولا خصّ بها سواهم ثم قال باللّه عليك هل تلوت قوله تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً قال نعم قال باللّه عليك من عنى بذلك فأمسك فقال واللّه ما عنى بها الا أهلها ، ثم بسط لسانه وتحدّث بحديث امضى من السهام واقطع من الحسام ، فقطع الشافعي ووافقه عند ذلك فقال عفوا يا ابن صاحب الامر انسب لي نسبك .