السيد نعمة الله الجزائري
253
الأنوار النعمانية
فلما رعاهم أقبل إليهم فقال ما بالكم وما حاجتكم ، فقالوا له هذه الامرأة الشامية ذكرت انه سرق نفقتها وقد فتشّنا رحل الوفد بأجمعه ولم يبق منهم غيرك ونحن لا نتقدم إلى رحلك الا بأذنك ، لما سبق من وصية عمر في حقك ، فقال لهم يا قوم ما يضرني ذلك ففتشوا ما أحببتم وهو واثق من نفسه ، فأول ما نفضوا المزادة التي فيها زاده وقع منها الهميان ، فصاحت الملعونة اللّه أكبر هذا واللّه كيسي ومالي فيه كذا وكذا دينار وفيه عقد لؤلؤ ووزنه كذا وكذا مثقال فنظروا فوجدوه كما قالت فمالوا عليه بالضرب الموجع والسبّ والشتم ، وهو لا يردّ جوابا فسلسلوه وقادوه إلى مكة راجلا ، فقال لهم يا وفد اللّه بحق هذا البيت الحرام الا ما تصدقتم علي وتركتموني حتى اقضي الحج واشهد اللّه ورسوله على اني إذا قضيت الحج رجعت إليكم ، فأوقع اللّه الرحمة في قلوبهم فأطلقوه فلما قضى مناسكه وما عليه من الحج والفرائض عاد إلى القوم ، وقال لهم هنا أنا عدت إليكم فافعلوا بي ما تريدون فقال بعضهم لبعض لو أراد المفارقة لما عاد إليكم فاتركوه ، فتركوه ورجع الوفد طالبا مدينة النبي صلّى اللّه عليه وآله فأعوزت تلك المرأة الملعونة الزاد في الطريق فوجدت راعيا فطلبت منه الزاد فقال لها عندي ما تريدين غير اني لا أبيعه فان اردتي ان تمكنيني من نفسك أعطيتك ففعلت وأخذت منه زادا . فلما انحرفت عنه اعترض لها إبليس فقال لها يا فلانة أنت حامل فقالت ممن فقال لها من الراعي فقالت وا فضيحتاه فقال لها مع رجوعك إلى الوفد فقولي لهم اني سمعت قراءة المقدسي فقربت منه ، فلما غلبني النوم دنى مني وواقعني ولم أتمكن من الدفاع عن نفسي وقد حملت منه وانا امرأة من الأنصار وخلفي جماعة ، ففعلت الملعونة ما أشار إليها إبليس فلم يشكوا في قولها لما عاينوا من وجود الكيس في رحله فعكفوا على الشاب المقدسي ، وقالوا يا هذا ما كفاك السرقة حتى فسقت فأوجعوه ضربا وشتما وسبا واعادوه إلى السلسلة وهو لا يرد جوابا ، فلما قربوا من المدينة على مشرفه وآله السّلام خرج عمر بن الخطاب ومعه جماعة من المسلمين للقاء الوفد ، فلما قرب من الوفد لم يكن له همّة الا السؤال عن المقدسي ، فقالوا له يا ابا حفص ما اغفلك عن المقدسي فقد سرق وفسق وقصوا عليه القصة ، فأمر باحضاره بين يديه فأتوا به وهو مسلسل فقالوا له يا ويلك يا مقدسي تظهر بخلاف ما ننظر فيك حتى سرقت وفضحك اللّه تعالى ، لانكلنّ بك أشد النكال وهو لا يرد جوابا ، واجتمع الناس ينظرون ما ذا يفعل به فبينما هم كذلك وإذا بالنور قد سطع ، فتأملوه فإذا هو عيبة علم النبوة علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسّلام فقال ما هذا الوهج في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالوا يا أمير المؤمنين ان الشاب المقدسي الزاهد سرق وفسق ، فقال عليه السّلام واللّه ما سرق ولا فسق ولا حجّ أحد غيره ، فلما أخبروا عمر بذلك قام قائما