السيد نعمة الله الجزائري

238

الأنوار النعمانية

رأس النخلة صعدوا إليهم فرموا بأنفسهم إلى الماء وبقي منهم عباة صغيرة قصيرة ليس على صنعة الناس بل صنعتها على نمط غريب . واعلم أن جماعة منهم وهو نوع من الغول الجاني يسكن بلادنا الجزائر في الشطوط والمياه ويسمونه طنطلا بلغتهم وهو اسود البدن طوله كطول النخلة اجعد الشعر اقدامه كحافر الفيل ، وقد شاهده بعض ثقات اخواننا في شط الفرات ، ومن خواصه انه يأتي إلى الانسان إذا تفرد به فيركبه ، وربما أضر بذلك الشخص ركوبه ويخاف من الجري خوفا كثيرا وذلك انهم عرفوه بهذه الصفة ، فإذا اصطادوا السمك صادوا جرية وحفظوها معهم حتى إذا جاء إليهم ذلك الغول ، وأراد الاضرار بهم اخرجوا اليه تلك الجرية وضربوه بها حتى يرمي بنفسه إلى الماء فلا يرونه بعد هذا ، والجن والشياطين يسكنون الهوى والمياه وكذا بعض الملائكة ومن ثم كره تطميح البول في الهواء وكذا كره البول في الماء ودخول الأنهار والمياه بغير ازار استحياء من ساكنيها ولئلا يؤذيهم فيؤذونه . واما اكل الجانّ فهو العظام وما شابهه اما بالاكل حقيقة واما انهم يشمونها فيشبعون وكلاهما قد روى في الاخبار ، ومن ثم كره انتهاك العظام وهو المبالغة في اخذ ما عليها من اللحم ، وقال عليه السّلام انها طعام من الجن ( الجان ) فإذا انتهكت العظم اخذوا من طعامك ما قابله ، والجمع بين الخبرين إمّا بتعدد أنواعهم بان يكون منهم من يشمّ العظام ومنهم من يأكلها واما بالقول بأن العظام طعامهم تارة يأكلونها ، وتارة أخرى يشمونها وتكون غذاء لهم على التقديرين ، والحق ان هذا طعامهم المعتاد والا فهم يأكلون من طعامنا أيضا فإنه قد شوهد متواترا ان الناس يصنعون طعاما خاصا لهم في بعض الأوقات ويضعونه في مكان خاص بالقرب منهم ولعلهم يشاهدونه في بعض الأحوال ، وتأكله الجان وفي الروايات عن الطاهرين عليهم السّلام ان الطعام إذا حضر بين أيدي الجماعة حفته ملائكة وشياطين ، فإذا ذكروا اسم اللّه قبل الاكل أو ذكره واحد منهم اقبل الملائكة على الشياطين فطردوهم ، وان لم يذكروا اسم اللّه على الطعام قربت الجن والشياطين فأكلوا معهم ، ومن هنا ترى الطعام يؤكل سريعا ولم يشبع القوم ، ويقال ليس لهذا الطعام بركة وسيأتي تمام هذا البحث في آداب الاكل ان شاء اللّه تعالى ، واما طعام دوابهم فقد روى أنه الروث ، وهو أيضا إما بالاكل أو بالشمّ ، وقد عرفت ان من جملة ما في الهوى البحر المكفوف بقدرته سبحانه ، وفيه أنواع المخلوقات وما يعلم خلق ربك الا هو هذا مجمل ما في العالم العلوي وأتت نوبة العالم السفلي .