السيد نعمة الله الجزائري
222
الأنوار النعمانية
الذين كفروا وقوله فما آمن لموسى الا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأه ان يفتنهم ، وتاسعها الصد نحو وان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك يعني ليصدونك . وعاشرها شدّة المحنة نحو ربنا لا يجعلنا فتنة للذين كفروا ، وقوله ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين أي محنة فيفتنوا بذلك ويقولوا في أنفسهم لم نقتلهم والا ودينهم الباطل وديننا الحق فيكون داعيا لهم إلى النار على ما هم عليه من الكفر والظلم ، وزاد علي بن إبراهيم على هذه الوجوه وجها آخر وهو المحبة نحو قوله عز وجل أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ * أي محبة ، والذي روى في ذلك ان وجوه الفتنة عشرة على ما قاله الصدوق ( ره ) وان الفتنة في هذا الموضع أيضا المحنة بالنون لا المحبة بالباء ، وتصديق ذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وآله الولد مجهلة محنة منجلة رواه الصدوق قدس اللّه روحه . واما قول الصادق عليه السّلام ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ففيه وجوه أربعة الأول ما قاله شيخنا المفيد نور اللّه ضريحه من أن هذا مخصوص بافعاله تعالى دون افعال المكلفين يشهد بذلك قوله واللّه لا يحب الفساد وما اللّه يريد ظلما للعباد ، ويكون حاصل معناه ان كل فعل يريد اللّه وقوعه فإنه يقع وكذا ما لم يرد وقوعه فإنه لا يقع بخلاف العباد فان كل ما يريدون فعله لا يدخل تحت قدرتهم ، الثاني القول بعمومه وشموله لافعال المكلفين لكن المشيئة فيه بمعنى العلم كما هو الوارد في بعض الروايات مثل المشيئة في قوله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * أي ما تريدون شيئا الا ان اللّه سبحانه قد علمه في الأزل لكن قد تحققت ان علمه تعالى ليس علة للمعلول كما لا يصير علمنا بان الشمس تطلع غدا علة في طلوعها . الثالث ان يكون المشيئة في كل فقرة قد استعملت بواحد من معانيها ففي قوله عليه السّلام ما شاء اللّه كان بمعنى الإرادة ، وفي قوله ما لم يشأل لم يكن بمعنى العلم جمعا بين العقل والنقل ، الرابع ان يكون المشيئة في اللفظين بمعنى الإرادة لكنها في الثاني مجاز عن عدم الحيلولة ومنع الالطاف الربانية الحاجزة عن افعال المساوى والذنوب ، فيكون من قبيل قوله تعالى يدي من يشاء ويضلّ من يشاء فان الاضلال كما توافق عليه العقل والنقل لا يريده اللّه سبحانه ولا يأمر به لكنه عبارة عن تخلية المرء ونفسه ، وقد تقدّم في دعائه صلّى اللّه عليه وآله رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وحكاية دانيال وداود قد تقدمت أيضا وعلى هذا يحمل كل ما ورد في القرآن الشريف والسنة من الالفاظ الموهمة لنسبة الاضلال اليه سبحانه . فان قلت كيف جاز الخطاب منه سبحانه للعباد بمثل هذه الالفاظ الموهمة حتى تمسّك بها أهل الجبر في صحة مذهبهم السخيف واعتمدوا عليها وجعلوها دلائلهم على أن العبد ليس له اختيار في فعل من افعاله مقل قوله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * ومثل قوله تعالى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، ومثل قوله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ * ويضلّ من يشاء إلى غير ذلك من الآيات والاخبار .