السيد نعمة الله الجزائري
216
الأنوار النعمانية
الباري سبحانه إذ لو صاروا اليه لما وسعهم القول بهذه المزخرفات لأنه سبحانه قد ضمن ارزاق مخلوقاته في كل أحوالها جزئية وكليّة وايصال الرزق في كل الأحوال فرع على العلم فيها كما لا يخفى . وفي الرواية ان موسى عليه السّلام قال يوما يا رب أريد ان اطلع على رزاقك للعباد ، فقال له إذا كان غدا فأمض إلى ساحل البحر وانظر ما ترى ، فلما كان من الغد أقبل إلى الساحل فرأى حيوانا صغيرا يعدو من البر وفي فمه طعمة ، فأقبل حتى وصل إلى جرف البحر فطلعت ضفدع من البحر وأخذت تلك الطعمة من فيه فغاصت تحت الماء ، فقال اللّه تعالى لموسى عليه السّلام اضرب البحر حتى يصير لك في طريق واتبع الضفدع فتبعها في بطن البحر وهي تسعى حتى بلغت بطن البحر وإذا فيه صخرة سوداء مربعة وفيها ثقب فخرجت نملة من ذلك الثقب وأخذت الطعمة من فم الضفدع ودخلت ، فأمر موسى بفلق الصخرة فلما فلقها نصفين رأى في بطنها دودة عمياء ورأى تلك الطعمة في فم تلك الدودة تأكل منها ، فقال موسى سبحانك عجبا لمن عرفك كيف يهتم لرزقه . وحكى في بعض السير والتواريخ ان ملكا من الملوك كان جالسا يتغذّى وفوق طعامه دجاجة مطبوخة فلم يشعر الا وقد انكبت عليه حداة من الهوى فأخذت تلك الدجاجة من فوق فغضب لهذا وركب فرسه مع جماعة من عسكره فطلب الحداة حتى امعنوا في طلبها ، فوصلت إلى جبل عال ومضت إلى خلف الجبل فنزلوا عن خيولهم ورقّوا ذلك الجبل فلما صعدوا إلى قلّته ونظروا إلى خلف الجبل رأوا تلك الحداة قد أتت ونزلت على رجل مضروبة بالأوتاد يداه ورجلاه وملقى على قفاه ، فقربت اليه الحداة وجعلت تقطع لحم تلك الدجاجة بمنقارها ومخاليبها وتضعه في فم ذلك الرجل حتى يأكله ، فلما فرغت من هذا طارت إلى عين الماء في ذلك الجبل وحملت اليه ماءا في حوصلتها وأتت اليه وسقته إياه ثم طارت فأتى اليه ذلك السلطان مع أصحابه وحلّوا أوتاده واجلسوه وسألوه عن قصته فقال إني تاجر وقد قطع اللصوص عليّ هذا الطريق فأخذو مالي واتفقوا على أن يحبسوني فوق هذا الجبل بهذه الأوتاد ، فلما مضوا عني وبقيت يوما على هذه الحال أتت الىّ هذه الحداة مع طعمة وماء وصارت تتعاهدني في كل يوم مرتين كما شاهدتم ، فلما رأى السلطان كيف يوصل اللّه سبحانه روقه إلى عباده قال لعن من يهتّم للرزق فترك الملك واشتغل بالعبادة حتى مات ، ومن هذا النحو كثير لا نطول بذكره الكتاب ولنرجع إلى ما نحن بصدده فنقول . قد ذهب الأشاعرة وهم أكثر المخالفين إلى أن عمله سبحانه بالأشياء في الأزل على لوقوعها في الأبد ، فكل ما يقع في هذا العالم من الفسوق والمعاصي فهو مستند ومعلول لذلك العلم القديم ، وحتى أن بعضهم ربما لاط أو زنى ولما عنّف أجاب بان اللّه سبحانه قد علم مني