السيد نعمة الله الجزائري

210

الأنوار النعمانية

فرّق اللّه عز وجل كذلك يخرج اللّه عز وجل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور ويخرج الكافر من النور إلى الظلمة بعد دخوله إلى النور وذلك قوله عز وجل لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ . وقال الصادق عليه السّلام ان اللّه خلقنا من عليين وخلق أرواحنا من فوق ذلك وخلق أرواح شيعتنا من عليين ، وخلق أجسادهم من دون ذلك فمن اجل ذلك القرابة بيننا وبينهم وقلوبهم تحنّ الينا ، وعن الصادق عليه السّلام ان اللّه خلقنا من نور عظمته ثم صوّر خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنّا نحن خلقا وبشرا نورانيين ، لم يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا ، وخلق أرواح شيعتنا من طينتنا وأبدانهم من طينة مخزونة مكنونة أسفل من ذلك الطينة ، ولم يجعل اللّه لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا ، الا للأنبياء ولذلك صرنا نحن وهم الناس وسائر الناس همج الناس وإلى النار . أقول هذا بعض أحاديث الطينة ، وقد روى في هذا المعنى اخبار كثيرة بأسانيد متعددة ، تركنا نقلها حذرا من التطويل ، ولأنها في المعنى راجعة إلى ما ذكرناه ، ولا بدّ من الكلام على هذه الأخبار والكشف عن معناها ، لان ظاهرها ان يكون الانسان في هذا العالم مجبورا على كل افعاله وليس له اختيار إذ افعاله بمقتضى الطينة ، فيخرج هو عن حالة الاختيار ويكون هذه الأخبار دليلا لمن قال بأن العبد مجبور على افعاله ، كالأشاعرة ومن حذى حذوهم فنقول الكلام فيها يتمّ ببيان امرين الأول في تصحيح ألفاظها فنقول قول أبي إسحاق الليثي المؤمن المستبصر المراد به من يكون له بصيرة تامة في أمور الدين واما قوله عليه السّلام اللهم لا في الزنا وما بعده ونفيه هذه الكبائر فهو إشارة إلى ما يحققه عليه السّلام بعيد هذا من أن سبب ارتكاب المؤمن هذه الكبائر هو مزج الطينتين فهذه الذنوب وان صدرت منه ظاهرا وهو آلة لها لكنها في الحقيقة قد كان مصدرها غيره وهو الماء الذي دخل في طينته حال المزج بطينة الكافر ، فالكافر في الحقيقة هو الفاعل لهذه الأفعال . وقوله عليه السّلام ملمّ وما ذكره في تفسيره إشارة إلى قوله سبحانه في صفة المؤمنين وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ، فالزنا وما ذكر بعده من كبائر الذنوب وفواحشها ، واللمم ما قل من الذنب وصغر ، ومن قولهم المّ بالمكان إذا قلّ فيه لبثه والمّ بالطعام قلّ منه اكله كالنظرة والغمزة والقبلة وقيل المراد باللمم كل ذنب لم يذكر اللّه عليه حدا ولا عقابا ، وقوله عليه السّلام ولا تستحسر معناه ، ولا تمل استفعال من حسر إذا اعيا وتعب ، وقوله فكيف هذا ولم ذاك أي كيف صدرت منه هذه الذنوب ولم نفيها عنه سابقا مع وقوعها منه ظاهرا ، ويجوز ان يكون قوله عليه السّلام ولم ذاك تأكيدا لسابقه بقرينة ما سيأتي وقوله وضاق ذرعى معناه اني عجزت عن البلوغ اليه من قولهم مددت ذرعي اليه ، فبلغت ذراعي ، ومددت اليه فقصر عنه