السيد نعمة الله الجزائري

19

الأنوار النعمانية

صلوات اللّه عليهم قد شاركوا الملائكة في أفضل صفاتهم التي هي النورية الخاصة ، وزاد عليهم في الصفات العالية التي لا تكاد تحصى . ومن هذا أجاب شيخنا طاب ثراه عن شبهة من ذهب إلى أفضلية الملائكة على الأنبياء بأن في الملائكة من لا يفتر عن الطاعة والعبادة من أول عمره إلى آخر فناء الدنيا . وحاصل الجواب ان هذه الصفة تنغمر في صفات الأنبياء عليهم السّلام فأن ارشاد الخلائق إلى طريق الهداية بعد الضلالة يفضل عبادة الملائكة بحكم قوله تعالى وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً أي من انقذها من الضلالة التي هي شبيهة بالموت بل أعظم منه كما ورد في الخبر في روايات الفريقين ان جبرئيل عليه السّلام قد اتى يوما إلى منزل فاطمة عليها السّلام فتكلمت معه ، وكان فيما خاطبته ان قلت له يا عمّ فلما دخل النبي صلّى اللّه عليه وآله قال له جبرئيل ان فاطمة عليها السّلام قالت لي يا عم فكيف هذا ونحن معاشر الملائكة قد خلقنا من النور وأنتم معاشر البشر قد خلقتم من الطين فقال له النبي صلّى اللّه عليه وآله صدقت فاطمة ، ثم يا جبرئيل نحن أيضا مخلوقون من النور أتعرف النور إذا رايته قال نعم قال صلّى اللّه عليه وآله ادعوا لي عليا فلما دخل قال يا علي أدن مني فدنى نه فوضع جبهته على جبهته وحكها فيها فظهر نور لا تكاد الابصار تطيق النظر اليه ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله يا جبرئيل تعرف هذا النور فقال نعم ، هذا النور الذي كنا نراه في قوائم العرش ، فقال يا جبرئيل من هذا قالت لك فاطمة يا عم ، وفي هذا الحديث اسرار الهية وحكم ربانية لا تبلغ العقول أكثرها منها : الإشارة إلى أن الايمان لا يتم بالشهادتين فقط بل لا بد من الولاية ، لأنه قسيمه في الكمال وإلى هذا الإشارة بقوله عز من قائل الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً لما نوه النبي صلّى اللّه عليه وآله بولايته يوم الغدير ، وقال من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، ومنها ان المساواة بينهما انما أتت من عالم الملكوت ، نعم إنما فضّله بالنبوة وبتوسط التعليم وإلى هذا الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . وأما قول علي عليه السّلام انا عبد من عبيد محمد صلّى اللّه عليه وآله فهو إما كما قال الصدوق طاب ثراه من أن المراد عبد طاعة لا عبد ملك أو يكون من باب التواضع لجنابه صلّى اللّه عليه وآله . والظاهر أنه لا يجوز لنا نحن ان نقول هذا القول وننسبه إلى ما نسب نفسه لان عبارات التواضع لا تحسن إلا من قائلها كما هو المتعارف في العادات الزمانية كيف لا وقد روى الصدوق طاب ثراه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال أعطيت ثلاثا وعلي مشاركي فيها واعطى علي ثلاثة ولم أشاركه فيها فقيل يا رسول اللّه وما الثلاث التي شاركك فيها علي عليه السّلام قال لواء الحمد لي وعلي حامله والكوثر لي وعلي ساقيه والجنة والنار لي وعلي قسيمها ، وأما الثلاث التي اعطى علي ولم أشاركه فيها فإنه أعطي شجاعة ولم اعط مثله وأعطي فاطمة الزهراء زوجة ولم اعط مثلها وأعطي ولديه الحسن والحسين عليهما السّلام ولم اعط مثلهما . وينبغي ان يراد بالشجاعة هنا اعمالها وممارسة الحروب والدخول فيها لا مبدءها من قوة القلب والجرأة على اقتحام الحروب لان النبي