السيد نعمة الله الجزائري

173

الأنوار النعمانية

وثانيها ان مبنى الشرع على اختلاف احكام المتفقات واتفاق احكام المختلفات كما يظهر من حكاية نزح البئر بورود الأعيان النجسة عليه لعل غرض الشارع من مثله سدّ باب العقل ، حتى لا يدخل في الأحكام الشرعية فإذا كان الحال على هذا لم يحصل لنا الظنّ بثبوت الحكم في المحل الخارج عن النص وان اقتضاه القياس . وثالثها ما رواه الصدوق وغيره من أهل الأصول في باب الديات عن أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها قال عشرة من الإبل قال قلت قطع اثنين فقال عشرون قطع ثلثا قال ثلاثون ، قلت قطع أربعا قال عشرون ، قلت سبحان اللّه يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون فيقطع أربعا فيكون عليه عشرون ان كان هذا يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله ، ونقول الذي قاله شيطان فقال مهلا يا بان هذا حكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ان المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف يا ابان انك أخذتني بالقياس والسنّة إذا قيست محق الدين وهذا في ابطال قياس الأولوية . ورابعها قول الصادق عليه السّلام لأبي حنيفة لو كان الدين يؤخذ بالقياس لوجب على الحايض ان تقضي الصلاة لأنها أفضل من الصوم ، وبالجملة فالأخبار الدالة على نفي مطلق القياس وخصوص قياس الأولوية كثيرة جدا . وخامسها ما قاله المرتضى ( ره ) حيث أبطل قياس منصوص العلة بأن علل الشرع انما تبتنئ عن الدواعي إلى الفعل أو عن وجه المصلحة وقد يشترك الشيئان في صفة واحدة ويكون في أحدهما داعي إلى فعله دون الاخر ، مع ثبوتهما فيه وقد يكون مثل المصلحة مفسدة وقد يدعو الشيء إلى غيره في حال دون حال ووقت دون وقت وعلى وجه منه دون وجه وقدر منه دون قدر ، ثم قال وإذا صحّت هذه الجملة لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس وجرى النص على العلة مجرى النص على الحكم في قصره على موضعه فان قلت إذا بطلت قياس الأولوية فكيف يمكنك استفادة تحريم الضرب وباقي أنواع الأذى من الآية ، قلت إن القرآن انما أنزله اللّه سبحانه بلغة العرب ، واجراءه على مقتضى محاوراتهم واصطلاحاتهم ، وكل أحد يعلم من تتبع كلامهم ان فيه الدلالة اللغوية والعرفية والمطابقة والتضمن والالتزام ، وحينئذ فمثل قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ إذا صدر من آحاد العرب لا يكون الغرض منه في الاصطلاح الا شمول جميع أنواع الأذى من الضرب وغيره فالضرب داخل في مفهوم الكلام عرفا ، وهذا معنى قول المحقق قدس اللّه روحه لما نفى قياس الأولوية قال إن قوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ منقول عن موضوعه اللغوي إلى المنع من جميع أنواع الأذى لاستفادة ذلك المعنى من اللفظ من غير توقف على استحضار القياس .