ميرزا أبو القاسم النراقي ( أبو القاسم بن محمد النراقي الكاشاني )

26

تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد

اتّصاف الخليل عليه السلام به في قوله تعالى « إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » « 1 » وهو أجلّ منه ؟ قلت : جلالة الخليل عليه السلام ليس لمجرّد سلامة قلبه ، بل لمّا عارض قومه في أوّل عهده عند رؤية الكوكب والقمر والشمس فقال : هذا ربّي « 2 » ، أراد اللَّه أن يبيّن أنّ ذلك لم يكن لاختلاج شكٍّ في باله أو احتمال ريبٍ في مجاله أو تردّد وسوسةٍ في نفسه أو خطرةٍ في خياله ، عظم قلب الخليل عليه السلام عن ذلك الخطب الجليل ؛ بل إنّما هو لإفحام الخصام وإتمام الحجّة عليهم ، فإنّه إذا سلّم المدّعى فالمدّعي ملتزم بقبول الردّ إذا برهن عليه بالبرهان القاطع « وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ » « 3 » . أما ترى أنّ هذه الحكاية مسبوق بقوله تعالى « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السماواتِ » « 4 » معطوف عليه ب « فاء » المفيدة للتعقيب ، حيث قال سبحانه : « فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللّيْلُ » « 5 » - الآيات - أفترى أنّه عليه السلام بعد ما يرى ملكوت كلّ شيء حتّى الكواكب احتمل ربوبيّتها ؛ ارتفع ذاته الشريف عن أن يعتريه هذه الشبهات . هذا وجلالة شأن الخليل عليه السلام في هذه الآية الكريمة من قوله جلّ ذكره : « إِذْ جاءَ رَبَّهُ » ؛ إذ مجيء الربّ لا يتيسّر إلّالمن ذهل عمّن سواه ونسي ما عداه في هواه حتّى نفسه ، حيث قال : دع نفسك وتعال . وهذه الجلالة من أجلّ مقامات النبوّة والرّساله . ويمكن أن يكون المراد من سلامة قلبه سلامته عن الاشتغال بما سواه ، الّتي هي مقدّمة مجيء الربّ . ويحتمل أن يكون قوله تعالى : « إِذْ جاءَ رَبَّهُ » إشارة إلى قوله سبحانه بعد حكاية رؤية الكواكب : « إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » « 6 » واللَّه أعلم بحقيقة مراده . ثمّ إنّي بهذا المختصر أردت أن أذكر ما هداني اللَّه إليه ممّا اعتمد علمي عليه من العقائد الّتي لا تزيله العواصف ولا تحرّكه القواصف ، ولقد علمت أنّه لا تُقبل الطاعة إلّا بعد تسديدها ، ولا يبلغ أدنى مبلغ السعادة إلّابعد تشييدها ، وسمّيته « تفريغ الفؤاد لمعرفة المبدأ والمعاد » ورتّبته على جزئين :

--> ( 1 ) - الصافات 84 . . ( 2 ) - الأنعام : 76 . . 78 ( 3 ) - الأنعام : 83 . . ( 4 ) - الأنعام : 75 . . ( 5 ) - الأنعام : 76 . . ( 6 ) - الأنعام : 79 . .