فخر الدين الرازي
282
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : هذه الآية فيها وعيد شديد ، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة ، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور ، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر / بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن يحب له ما يحب لنفسه ، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى اللّه ، والثاني الثبات عليه ، والأول الأمر بالمعروف والثاني النهي عن المنكر ، ومنه قوله : وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ [ لقمان : 17 ] وقال عمر : رحم اللّه من أهدى إليَّ عيوبي . المسألة الثانية : دلت الآية على أن الحق ثقيل ، وأن المحن تلازمه ، فلذلك قرن به التواصي . المسألة الثالثة : إنما قال : وَتَواصَوْا ولم يقل : ويتواصون لئلا يقع أمرا بل الغرض مدحهم بما صدر عنهم في الماضي ، وذلك يفيد رغبتهم في الثبات عليه في المستقبل . المسألة الرابعة : قرأ أبو عمرو : بِالصَّبْرِ بشم الباء شيئا من الحرف ، لا يشبع قال أبو علي : وهذا مما يجوز في الوقف ، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف ، وهذا لا يكاد يكون في القراءة ، وعلى هذا ما يروى عن سلام بن المنذر أنه قرأ ، ( والعصر ) بكسر الصاد ولعله وقف لانقطاع نفس أو لعارض منعه من إدراج القراءة ، وعلى هذا يحمل لا على إجراء الوصل مجرى الوقف ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .