فخر الدين الرازي

275

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

النعيم الذي تسألون عنه » وروى أيضا : « لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع عن عمره وماله وشبابه وعمله » و عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم : « أن العبد ليسأل يوم القيامة حتى عن كحل عينيه ، وعن فتات الطينة بإصبعه وعن لمس ثوب أخيه » واعلم أن الأولى أن يقال : السؤال يعم المؤمن والكافر ، لكن سؤال الكافر توبيخ لأنه ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر وأطاع . المسألة الثانية : ذكروا في النعيم المسؤول عنه وجوها أحدها : ما روي أنه خمس : شبع / البطون وبارد الشراب ولذة النوم وإظلال المساكن واعتدال الخلق وثانيها : قال ابن مسعود : إنه الأمن والصحة والفراغ قال ابن عباس : إنه الصحة وسائر ملاذ المأكول والمشروب ورابعها : قال بعضهم : الانتفاع بإدراك السمع والبصر وخامسها : قال الحسن بن الفضل : تخفيف الشرائع وتيسير القرآن وسادسها : قال ابن عمر : إنه الماء البارد وسابعها : قال الباقر : إنه العافية ، و يروى أيضا عن جابر الجعفي قال : دخلت على الباقر فقال : ما تقول أرباب التأويل في قوله : ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ؟ فقلت : يقولون الظل والماء البارد فقال : لو أنك أدخلت بيتك أحدا وأقعدته في ظل وأسقيته ماء باردا أتمن عليه ؟ فقلت : لا ، قال : فاللّه أكرم من أن يطعم عبده ويسقيه ثم يسأله عنه ، فقلت : ما تأويله ؟ قال : النعيم هو رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنعم اللّه به على هذا العالم فاستنقذهم به من الضلالة ، أما سمعت قوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [ آل عمران : 164 ] الآية القول الثامن : إنما يسألون عن الزائد مما لا بد منه من مطعم وملبس ومسكن . والتاسع : وهو الأولى أنه يجب حمله على جميع النعم ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أن الألف واللام يفيدان الاستغراق وثانيها : أنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى الباقي لا سيما وقد دل الدليل على أن المطلوب من منافع هذه الدنيا اشتغال العبد بعبودية اللّه تعالى وثالثها : أنه تعالى قال : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ * [ البقرة : 40 ] والمراد منه جميع النعم من فلق البحر والإنجاء من فرعون وإنزال المن والسلوى فكذا هاهنا ورابعها : أن النعيم التام كالشئ الواحد الذي له أبعاض وأعضاء فإذا أشير إلى النعيم فقد دخل فيه الكل ، كما أن الترياق اسم للمعجون المركب من الأدوية الكثيرة فإذا ذكر الترياق فقد دخل الكل فيه . واعلم أن النعم أقسام فمنها ظاهرة وباطنة ، ومنها متصلة ومنفصلة ، ومنها دينية ودنيوية ، وقد ذكرنا أقسام السعادات بحسب الجنس في تفسير أول هذه السورة ، وأما تعديدها بحسب النوع والشخص فغير ممكن على ما قاله تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] واستعن في معرفة نعم اللّه عليك في صحة بدنك بالأطباء ، ثم هم أشد الخلق غفلة ، وفي معرفة نعم اللّه عليك بخلق السماوات والكواكب بالمنجمين ، وهم أشد الناس جهلا بالصانع ، وفي معرفة سلطان اللّه بالملوك ، ثم هم أجهل الخلق ، وأما الذي يروى عن ابن عمر أنه الماء البارد فمعناه هذا من جملته ، ولعله إنما خصه بالذكر لأنه أهون موجود وأعز مفقود ، ومنه قول ابن السماك للرشيد : أرأيت لو احتجت إلى شربة ماء في فلاة أكنت تبذل فيه نصف الملك ؟ وإذا شرقت بها أكنت تبذل نصف الملك ؟ وإن احتبس بولك أكنت تبذل كل الملك ؟ فلا تغتر بملك كانت الشربة الواحدة من الماء قيمته مرتين ؛ أو لأن أهل النار يطلبون الماء أشد من طلبهم لغيره ، قال تعالى : أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [ الأعراف : 5 ] أو لأن السورة نزلت في المترفين ، وهم المختصون بالماء البارد والظل ، والحق أن السؤال يعم المؤمن والكافر عن جميع النعيم سواء كان مما لا بد منه [ أو لا ] ، وليس كذلك لأن كل ذلك يجب أن يكون