فخر الدين الرازي

209

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثانية : قال ابن عباس : يقول اللّه تعالى : خلقت عسرا واحدا بين يسرين ، فلن يغلب عسر يسرين ، وروى مقاتل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : « لن يغلب عسر يسرين » وقرأ هذه الآية ، وفي تقرير هذا المعنى وجهان الأول : قال الفراء والزجاج : العسر مذكور بالألف واللام ، وليس هناك معهود سابق فينصرف إلى الحقيقة ، فيكون المراد بالعسر في اللفظين شيئا واحدا . وأما اليسر فإنه مذكور على سبيل التنكير ، فكان أحدهما غير الآخر ، وزيف الجرجاني هذا وقال : إذا قال الرجل : إن مع الفارس سيفا ، إن مع الفارس سيفا ، يلزم أن يكون هناك فارس واحد ومعه سيفان ، ومعلوم أن ذلك غير لازم من وضع العربية الوجه الثاني : أن تكون الجملة الثانية تكريرا للأولى ، كما كرر قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ المطففين : 10 ] ويكون الغرض تقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ، كما يكرر المفرد في قولك : جاءني زيد زيد ، والمراد من اليسرين : يسر الدنيا وهو ما تيسر من استفتاح البلاد ، ويسر الآخرة وهو ثواب الجنة ، لقوله تعالى : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ التوبة : 52 ] وهما حسن الظفر وحسن الثواب ، فالمراد من قوله : « لن يغلب عسر يسرين » هذا ، وذلك لأن عسر الدنيا بالنسبة إلى يسر الدنيا ويسر الآخرة كالمغمور القليل ، وهاهنا سؤالان . الأول : ما معنى التنكير في اليسر ؟ جوابه : التفخيم ، كأنه قيل : إن مع اليسر يسرا ، إن مع العسر يسرا عظيما ، وأي يسر . السؤال الثاني : اليسر لا يكون مع العسر ، لأنهما ضدان فلا يجتمعان الجواب : لما / كان وقوع اليسر بعد العسر بزمان قليل ، كان مقطوعا به فجعل كالمقارن له . ثم قال تعالى : [ سورة الشرح ( 94 ) : آية 7 ] فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وجه تعلق هذا بما قبله أنه تعالى لما عدد عليه نعمه السالفة ، ووعدهم بالنعم الآتية ، لا جرم بعثه على الشكر والاجتهاد في العبادة ، فقال : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ أي فاتعب يقال : نصب ينصب ، قال قتادة والضحاك ومقاتل : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يعطك ، وقال الشعبي : إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك ، وقال مجاهد : إذا فرغت من أمر دنياك فانصب وصل ، وقال عبد اللّه : إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل ، وقال الحسن : إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة ، وقال علي بن أبي طلحة : إذا كنت صحيحا فانصب ، يعني اجعل فراغك نصبا في العبادة يدل عليه ما روي أن شريحا مر برجلين يتصارعان ، فقال : الفارغ ما أمر بهذا إنما قال اللّه : فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وبالجملة فالمعنى أن يواصل بين بعض العبادات وبعض ، وأن لا يخلي وقتا من أوقاته منها ، فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى . وأما قوله تعالى : [ سورة الشرح ( 94 ) : آية 8 ] وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 ) ففيه وجهان أحدهما : اجعل رغبتك إليه خصوصا ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه وثانيها : ارغب في سائر ما تلتمسه دينا ودنيا ونصرة على الأعداء إلى ربك ، وقرئ فرغب أي رغب الناس إلى طلب ما عنده ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .