فخر الدين الرازي
261
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] وثانيها : أنه عائد إلى ذلك الزمان الذي وقعت فيه الإغارة ، أي فأثرن في ذلك الوقت نقعا وثالثها : وهو قول الكسائي أنه عائد إلى العدو ، أي فأثرن بالعدو نقعا ، وقد تقدم ذكر العدو في قوله : وَالْعادِياتِ . المسألة الثالثة : فإن قيل : على أي شيء عطف قوله : فَأَثَرْنَ قلنا : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ، والتقدير واللائي عدون فأورين ، وأغرن فأثرن . المسألة الرابعة : قرأ أبو حيوة : فَأَثَرْنَ بالتشديد بمعنى فأظهرن به غبارا ، لأن التأثير فيه معنى الإظهار ، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو همزة . أما قوله تعالى : [ سورة العاديات ( 100 ) : آية 5 ] فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ( 5 ) ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الليث : وسطت النهر والمفازة أسطها وسطا وسطة ، أي صرت في وسطها ، وكذلك وسطتها وتوسطتها ، ونحو هذا ، قال الفراء : والضمير في قوله : بِهِ إلى ما ذا يرجع فيه ؟ وجوه أحدها : قال مقاتل : أي بالعدو ، وذلك أن العاديات تدل على العدو ، فجازت الكناية عنه ، وقوله : جَمْعاً يعني جمع العدو ، والمعنى صرن بعدوهن وسط جمع العدو ، ومن حمل الآيات على الإبل ، قال : يعني جمع منى وثانيها : أن الضمير عائد إلى النقع أي : وسطن بالنقع الجمع وثالثها : المراد أن العاديات وسطن ملبسا بالنقع جمعا من جموع الأعداء . المسألة الثانية : قرئ : فَوَسَطْنَ بالتشديد للتعدية ، والباء مزيدة للتوكيد كقوله : وَأُتُوا بِهِ [ البقرة : 25 ] وهي مبالغة في وسطن ، واعلم أن الناس أكثروا في صفة الفرس ، وهذا القدر الذي ذكره اللّه أحسن ، وقال عليه الصلاة والسلام : « الخيل معقود بنواصيها الخير » ، وقال أيضا : « ظهرها حرز / وبطنها كنز » واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به ، ذكر المقسم عليه وهو أمور ثلاثة : أحدها : قوله : [ سورة العاديات ( 100 ) : آية 6 ] إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) قال الواحدي : أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذي يمنع ما عليه ، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئا ثم للمفسرين عبارات ، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة : الكنود هو الكفور قالوا : ومنه سمي الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه ، وعن الكلبي الكنود بلسان كندة العاصي وبلسان بني مالك البخيل ، وبلسان مضر وربيعة الكفور ، وروى أبو أمامة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الكنود هو الكفور الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب عبده ، وقال الحسن : الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصائب ، وينسى النعم والراحات ، وهو كقوله : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ [ الفجر : 16 ] . واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفرا أو فسقا ، وكيفما كان فلا يمكن حمله على كل الناس ، فلا بد من صرفه إلى كافر معين ، أو إن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا