فخر الدين الرازي

251

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أعطيتك هذه الأشياء ، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئا وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون . المسألة الخامسة : قوله : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ فيه قولان : أحدهما : أنه قابل الجمع بالجمع « 1 » ، وهو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، كما لو قال لامرأتيه أو عبديه : إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما دارا على حدة ، وعن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين ، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين ، ودليل القول الأول : جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل مكلف جنة واحدة ، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روي مرفوعا ، ويدل عليه قوله تعالى : وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] ويحتمل أن يراد لكل مكلف جنات ، كما روي عن أبي يوسف وعليه يدل القرآن ، لأنه قال : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 26 ] ثم قال : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ [ الرحمن : 62 ] فذكر أربعا للواحد ، والسبب فيه أنه بكى من خوف اللّه ، وذلك البكاء إنما نزل من أربعة أجفان اثنان دون الاثنين ، فاستحق جنتين دون الجنتين ، فحصلت له أربع جنات ، لسكبه البكاء من أربعة أجفان ، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ وأخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ وفيه إشارة إلى أنه لا بد من / دوام الخوف ، أما قبل العمل فالحاصل خوف الاختلال ، وأما بعد العمل فالحاصل خوف الخلاف ، إذ هذه العبادة لا تليق بتلك الحضرة . المسألة السادسة : قوله : عَدْنٍ يفيد الإقامة : لا يُخْرَجُونَ مِنْها [ الجاثية : 45 ] وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [ الحجر : 48 ] لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [ الكهف : 108 ] يقال : عدن بالمكان أقام ، وروي أن جنات عدن وسط الجنة ، وقيل : عدن من المعدن أي هي معدن النعيم والأمن والسلامة ، قال بعضهم : إنها سميت جنة إما من الجن أو الجنون أو الجنة أو الجنين ، فإن كانت من الجن فهم المخصوصون بسرعة الحركة يطوفون العالم في ساعة واحدة فكأنه تعالى قال : إنها في إيصال المكلف إلى مشتهياته في غاية الإسراع مثل حركة الجن ، مع أنها دار إقامة وعدن ، وإما من الجنون فهو أن الجنة ، بحيث لو رآها العاقل يصير كالمجنون ، لولا أن اللّه بفضله يثبته ، وإما من الجنة فلأنها جنة واقية تقيك من النار ، أو من الجنين ، فلأن المكلف يكون في الجنة في غاية التنعم ، ويكون كالجنين لا يمسه برد ولا حر لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً [ الإنسان : 13 ] . المسألة السابعة : قوله : تَجْرِي إشارة إلى أن الماء الجاري ألطف من الراكد ، ومن ذلك النظر إلى الماء الجاري ، يزيد نورا في البصر بل كأنه تعالى قال : طاعتك كانت جارية ما دمت حيا على ما قال : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] فوجب أن تكون أنهار إكرامي جارية إلى الأبد ، ثم قال : مِنْ تَحْتِهَا إشارة إلى عدم التنغيص ، وذلك لأن التنغيص في البستان ، إما بسبب عدم الماء الجاري فذكر الجري الدائم ، وإما بسبب الغرق والكثرة ، فذكر من تحتها ، ثم الألف واللام في الأنهار للتعريف فتكون منصرفة إلى الأنهار المذكورة في القرآن ، وهي نهر الماء واللبن والعسل والخمر ، واعلم أن النهار والأنهار من السعة والضياء ، فلا تسمى الساقية نهرا ، بل العظيم هو الذي يسمى نهرا بدليل قوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ

--> ( 1 ) الصواب أن يقال : قابل المفرد بالجمع فالمفرد هنا لفظ جزاء والجمع لفظ جنات .