فخر الدين الرازي
246
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المذكور هو دين القيمة وإنما قلنا : إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] وإنما قلنا : إن الإسلام هو الإيمان لوجهين الأول : أن الإيمان لو كان غير الإسلام لما كان مقبولا عند اللّه تعالى لقوله تعالى : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [ آل عمران : 85 ] لكن الإيمان بالإجماع مقبول عند اللّه ، فهو إذا عين الإسلام والثاني : قوله تعالى : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات : 35 ، 36 ] فاستثناء المسلم من المؤمن ، يدل على أن الإسلام يصدق عليه ، وإذا ثبتت هذه المقدمات ، ظهر أن مجموع هذه الثلاثة أعني القول والفعل والعمل هو الإيمان ، وحينئذ يبطل قول من قال : الإيمان اسم لمجرد المعرفة ، أو لمجرد الإقرار أولهما معاو الجواب : لم لا يجوز أن تكون الإشارة بقوله : وَذلِكَ إلى الإخلاص فقط ؟ والدليل عليه أنا على هذا التقدير لا نحتاج إلى الإضمار أولى ، وأنتم تحتاجون إلى الإضمار فتقولون : المراد وذلك المذكور ، ولا شك أن عدم الإضمار أولى ، سلمنا أن قوله : وَذلِكَ إشارة إلى مجموع ما تقدم لكنه يدل على أن ذلك المجموع هو الدين القيم ، فلم قلتم : إن ذلك المجموع هو الدين ، وذلك لأن الدين غير ، والدين القيم ، فالدين هو الدين الكامل المستقبل بنفسه ، وذلك إنما يكون إذا كان الدين حاصلا ، وكانت آثاره ونتائجه معه حاصلة أيضا ، وهي الصلاة والزكاة ، وإذا لم يوجد هذا المجموع ، لم يكن الدين القيم حاصلا ، لكن لم قلتم : إن أصل الدين لا يكون حاصلا والنزاع ما وقع إلا فيه ؟ واللّه أعلم . [ سورة البينة ( 98 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ( 6 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولا في قوله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 1 ] ثم ذكر ثانيا حال المؤمنين في قوله : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [ البينة : 5 ] أعاد في آخر هذه السورة ذكر كلا الفريقين ، فبدأ أيضا بحال الكفار ، فقال : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا واعلم أنه تعالى ذكر من أحوالهم أمرين أحدهما : الخلود في نار جهنم والثاني : أنهم شر الخلق ، وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : لم قدم أهل الكتاب على المشركين في الذكر ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يقدم حق اللّه سبحانه على حق نفسه ، ألا ترى أن القوم لما كسروا رباعيته قال : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » ولما فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال : « اللهم املأ بطونهم وقبورهم نارا » فكأنه عليه السلام قال : كانت الضربة ثم على ، وجه الصورة ، وفي يوم الخندق على وجه السيرة التي هي الصلاة ، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك فقال : كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضا أقدم حقك على حق نفسي ، فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر . إذا عرفت ذلك فنقول : أهل الكتاب ما كانوا يطعنون في اللّه بل في الرسول ، وأما المشركون فإنهم كانوا يطعنون في اللّه ، فلما أراد اللّه تعالى في هذه الآية أن يذكر سوء حالهم بدأ أولا في النكاية بذكر من طعن في محمد عليه الصلاة والسلام وهم أهل الكتاب ، ثم ثانيا بذكر من طعن فيه تعالى وهم المشركون وثانيها : أن جناية أهل الكتاب في حق الرسول عليه السلام كانت أعظم ، لأن المشركين رأوه صغيرا ونشأ فيما « 1 » بينهم ، ثم سفه أحلامهم وأبطل أديانهم ، وهذا أمر شاق ، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته ويقرون بمبعثه فلما جاءهم أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد .
--> ( 1 ) لعل الأولى أن يقال : ونشأ يتيما بينهم ، ولعل فيما صحفت عن يتيما .