فخر الدين الرازي
206
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والقول الثاني : ( إن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة ، ثم ذكروا فيه وجوها أحدها : أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى اللّه ، فآتاه اللّه من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من المشاق ، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد ، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال ، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم ، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفا من وعيدهم ، ولم يمل إلى مالهم ، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكمال الآخرة ، ونظيره قوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً [ الأنعام : 125 ] وروي أنهم قالوا : يا رسول اللّه أينشرح الصدر ؟ قال : نعم ، قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال : « التجافي عن الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله » وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان باللّه ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت وثانيها : أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير ، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به ، والشرح التوسعة ، ومعناه الإراحة من الهموم ، والعرب تسمي الغم والهم ضيق صدر كقوله : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ [ الحجر : 97 ] وهاهنا سؤالات : الأول : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب ؟ والجواب : لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال : يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [ الناس : 5 ] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية . السؤال الثاني : لم قال : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ولم يقل ألم نشرح صدرك ؟ والجواب : من وجهين أحدهما : كأنه تعالى يقول لام بلام ، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] فأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك وثانيها : أن فيها تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام ، كأنه تعالى قال : إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي . السؤال الثالث : لم قال : أَ لَمْ نَشْرَحْ ولم يقل ألم أشرح ؟ والجواب : إن حملناه على نون التعظيم ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول : لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي ، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوي قلبك ، فأديت / الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة ، فلم يجيبوا لك جوابا ، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك ، فسبحان من جعل قوة قلبك جبنا فيهم ، وانشراح صدرك ضيقا فيهم . ثم قال تعالى : [ سورة الشرح ( 94 ) : الآيات 2 إلى 3 ] وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 )