فخر الدين الرازي
234
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات ، وجبريل لا يدع أحدا من الناس إلا صافحهم ، وعلامة ذلك من اقشعر جلده / ورق قلبه ودمعت عيناه ، فإن ذلك من مصافحة جبريل عليه السلام ، من قال فيها ثلاث مرات : لا إله إلا اللّه غفر له بواحدة ، ونجاه من النار بواحدة ، وأدخله الجنة بواحدة ، وأول من يصعد جبريل حتى يصير أمام الشمس فيبسط جناحين أخضرين لا ينشرهما إلا تلك الساعة من يوم تلك الليلة ثم يدعو ملكا ملكا ، فيصعد الكل ويجتمع نور الملائكة ونور جناح جبريل عليه السلام ، فيقيم جبريل ومن معه من الملائكة بين الشمس وسماء الدنيا يومهم ذلك مشغولين بالدعاء والرحمة والاستغفار للمؤمنين ، ولمن صام رمضان احتسابا ، فإذا أمسوا دخلوا سماء الدنيا فيجلسون حلقا حلقا فتجمع إليهم ملائكة السماء فيسألونهم عن رجل رجل وعن امرأة امرأة ، حتى يقولوا : ما فعل فلان وكيف وجدتموه ؟ فيقولون : وجدناه عام أول متعبدا ، وفي هذا العام مبتدعا ، وفلان كان عام أول مبتدعا ، وهذا العام متعبدا ، فيكفون عن الدعاء للأول ، ويشتغلون بالدعاء للثاني ، ووجدنا فلانا تاليا ، وفلانا راكعا ، وفلانا ساجدا ، فهم كذلك يومهم وليلتهم حتى يصعدوا السماء الثانية وهكذا يفعلون في كل سماء حتى ينتهوا إلى السدرة فتقول لهم السدرة : يا سكاني حدثوني عن الناس فإن لي عليكم حقا ، وإني أحب من أحب اللّه ، فذكر كعب أنهم يعدون لها الرجل والمرأة بأسمائهم وأسماء آبائهم ، ثم يصل ذلك الخبر إلى الجنة ، فتقول الجنة : اللهم عجلهم إلي ، والملائكة ، وأهل السدرة يقولون : آمين آمين ، إذا عرفت هذا فنقول ، كلما كان الجمع أعظم ، كان نزول الرحمة هناك أكثر ، ولذلك فإن أعظم الجموع في موقف الحج ، لا جرم كان نزول الرحمة هناك أكثر ، فكذا في ليلة القدر يحصل مجمع الملائكة المقربين ، فلا جرم كان نزول الرحمة أكثر . المسألة الثالثة : ذكروا في الروح أقوالا أحدها : أنه ملك عظيم ، لو التقم السماوات والأرضين كان ذلك له لقمة واحدة وثانيها : طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا ليلة القدر ، كالزهاد الذين لا نراهم إلا يوم العيد وثالثها : خلق من خلق اللّه يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ، ولا من الإنس ، ولعلهم خدم أهل الجنة ورابعها : يحتمل أنه عيسى عليه السلام لأنه اسمه ، ثم إنه ينزل في مواقفة الملائكة ليطلع على أمة محمد وخامسها : أنه القرآن : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [ الشورى : 52 ] وسادسها : الرحمة قرئ : لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [ يوسف : 87 ] بالرفع كأنه تعالى يقول : الملائكة ينزلون رحمتي تنزل في أثرهم فيجدون سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وسابعها : الروح أشرف الملائكة وثامنها : عن أبي نجيح الروح هم الحفظة والكرام الكاتبون فصاحب اليمين يكتب إتيانه بالواجب ، وصاحب الشمال يكتب تركه للقبيح ، والأصح أن الروح هاهنا جبريل وتخصيصه بالذكر لزيادة شرفه كأنه تعالى يقول الملائكة في كفة والروح في كفة . أما قوله تعالى : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ [ المسألة الأولى ] فقد ذكرنا أن هذا يدل على أنهم كانوا مشتاقين إلينا ، فإن / قيل : كيف يرغبون إلينا مع علمهم بكثرة معاصينا ؟ قلنا : إنهم لا يقفون على تفصيل المعاصي روي أنهم يطالعون اللوح ، فيرون فيه طاعة المكلف مفصلة ، فإذا وصلوا إلى معاصيه أرخى الستر فلا ترونها ، فحينئذ يقول : سبحان من أظهر الجميل ، وستر على القبيح ، ثم قد ذكرنا فوائد في نزولهم ونذكر الآن فوائد أخرى وحاصلها أنهم يرون في الأرض من أنواع الطاعات أشياء ما رأوها في عالم السماوات أحدها : أن الأغنياء يجيئون بالطعام من بيوتهم فيجعلونه ضيافة للفقراء والفقراء يأكلون طعام الأغنياء ويعبدون اللّه ، وهذا نوع من الطاعة لا يوجد في السماوات وثانيها : أنهم يسمعون أنين العصاة وهذا لا يوجد في السماوات وثالثها : أنه تعالى قال : « لأنين المذنبين أحب