فخر الدين الرازي
229
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأبرح ما يكون الشوق يوما * إذا دنت الديار من الديار وهذا لأن السماء كالمشترك بيننا وبين الملائكة ، فهي لهم مسكن ولنا سقف وزينة ، كما قال : وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً [ الأنبياء : 32 ] فإنزاله القرآن هناك كإنزاله هاهنا والوجه الثالث في الجواب : أن التقدير أنزلنا هذا الذكر في ليلة القدر أي في فضيلة ليلة القدر وبيان شرفها . المسألة الرابعة : القدر مصدر قدرت أقدر قدرا ، والمراد به ما يمضيه اللّه من الأمور ، قال : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] والقدر ، والقدر واحد إلا أنه بالتسكين مصدر وبالفتح اسم ، قال الواحدي : القدر في اللغة بمعنى التقدير ، وهو جعل الشيء على مساواة غيره من غير زيادة ولا نقصان ، واختلفوا في أنه لم سميت هذه الليلة ليلة القدر ، على وجوه أحدهما : أنها ليلة تقدير الأمور والأحكام ، قال عطاء ، عن ابن عباس : أن اللّه قدر ما يكون في كل تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى مثل هذه الليلة من السنة الآتية ، ونظيره قوله تعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [ الدخان : 4 ] واعلم أن تقدير اللّه لا يحدث في تلك الليلة ، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض في الأزل ، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير للملائكة في تلك الليلة بأن يكتبها في اللوح المحفوظ ، وهذا القول اختيار عامة العلماء الثاني : نقل عن الزهري أنه قال : ليلة القدر ليلة العظمة والشرف من قولهم لفلان قدر عند فلان ، أي منزلة وشرف ، ويدل عليه قوله : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر : 3 ] ثم هذا يحتمل وجهين أحدهما : أن يرجع ذلك إلى الفاعل أي من أتى فيها بالطاعات صار ذا قدر وشرف وثانيهما : إلى الفعل أي الطاعات لها في تلك الليلة قدر زائد وشرف زائد ، وعن أبي بكر الوراق سميت ليلة القدر لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر ، على لسان ملك ذي قدر ، على أمة لها قدر ، ولعل اللّه تعالى إنما ذكر لفظة القدر في هذه السورة ثلاث مرات لهذا السبب . والقول الثالث : ليلة القدر ، أي الضيق فإن الأرض تضيق عن الملائكة . المسألة الخامسة : أنه تعالى أخفى هذه الليلة لوجوه أحدها : أنه تعالى أخفاها ، كما أخفى سائر الأشياء ، فإنه أخفى رضاه في الطاعات ، حتى يرغبوا في الكل ، وأخفى غضبه في المعاصي ليحترزوا عن الكل ، وأخفى وليه فيما بين الناس حتى يعظموا الكل ، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في كل الدعوات ، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل الأسماء ، وأخفى في الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل ، وأخفى قبول التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسام التوبة ، وأخفى وقت الموت ليخاف المكلف ، فكذا أخفى هذه الليلة ليعظموا جميع ليالي رمضان وثانيها : كأنه تعالى يقول : لو عينت ليلة القدر ، وأنا عالم بتجاسركم على المعصية ، فربما دعتك الشهوة في / تلك الليلة إلى المعصية ، فوقعت في الذنب ، فكانت معصيتك مع علمك أشد من معصيتك لا مع علمك ، فلهذا السبب أخفيتها عليك ، روي أنه عليه السلام دخل المسجد فرأى نائما ، فقال : يا علي نبهه ليتوضأ ، فأيقظه علي ، ثم قال علي : يا رسول اللّه إنك سباق إلى الخيرات ، فلم لم تنبهه ؟ قال : لأن رده عليك ليس بكفر ، ففعلت ذلك لتخف جنايته لو أبى ، فإذا كان هذا رحمة الرسول ، فقس عليه رحمة الرب تعالى ، فكأنه تعالى يقول : إذا علمت ليلة القدر فإن أطعت فيها اكتسبت ثواب ألف شهر ، وإن عصيت فيها اكتسب عقاب ألف شهر ، ودفع العقاب أولى من جلب الثواب وثالثها : أني أخفيت هذه الليلة حتى يجتهد المكلف في طلبها ، فيكتسب ثواب الاجتهاد ورابعها : أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر ، فإنه يجتهد في الطاعة في جميع ليالي