فخر الدين الرازي
222
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بخالق ولا رب ، ثم إنه ينهى عن طاعة الرب والخالق ، ألا يكون هذا غاية الحماقة . المسألة الثالثة : قال : يَنْهى عَبْداً ولم يقل : ينهاك ، وفيه فوائد أحدها : أن التنكير في عبدا يدل على كونه كاملا في العبودية ، كأنه يقول : إنه عبد لا يفي العالم بشرح بيانه وصفة إخلاصه في / عبوديته يروى : في هذا المعنى أن يهوديا من فصحاء اليهود جاء إلى عمر في أيام خلافته فقال : أخبرني عن أخلاق رسولكم ، فقال عمر : اطلبه من بلال فهو أعلم به مني . ثم إن بلالا دله على فاطمة ثم فاطمة دلته على علي عليه السلام ، فلما سأل عليا عنه قال : صف لي متاع الدنيا حتى أصف لك أخلاقه ، فقال الرجل : هذا لا يتيسر لي ، فقال علي : عجزت عن وصف متاع الدنيا وقد شهد اللّه على قلته حيث قال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [ النساء : 77 ] فكيف أصف أخلاق النبي وقد شهد اللّه تعالى بأنه عظيم حيث قال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] فكأنه تعالى قال : ينهى أشد الخلق عبودية عن العبودية وذلك عين الجهل والحمق وثانيها : أن هذا أبلغ في الذم لأن المعنى أن هذا دأبه وعادته فينهى كل من يرى وثالثها : أن هذا تخويف لكل من نهى عن الصلاة ، روى عن علي عليه السلام أنه رأى في المصلى أقواما يصلون قبل صلاة العيد ، فقال : ما رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعل ذلك ، فقيل له : ألا تنهاهم ؟ فقال : أخشى أن أدخل تحت قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى فلم يصرح بالنهي عن الصلاة ، وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حيث قال له أبو يوسف : أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع : اللهم اغفر لي ؟ قال : يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي ورابعها : أيظن أبو جهل أنه لو لم يسجد محمد لي لا أجد ساجدا غيره ، إن محمدا عبد واحد ، ولي من الملائكة المقربين ما لا يحصيهم إلا أنا وهم دائما في الصلاة والتسبيح وخامسها : أنه تفخيم لشأن النبي عليه السلام يقول : إنه مع التنكير معرف ، نظيره الكناية في سورة القدر حملت على القرآن ولم يسبق له ذكر أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ [ الكهف : 1 ] وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ [ الجن : 19 ] . ثم قال تعالى : [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 11 إلى 12 ] أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : أَ رَأَيْتَ خطاب لمن ؟ فيه وجهان الأول : أنه خطاب للنبي عليه السلام ، والدليل عليه أن الأول وهو قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والثالث وهو قوله : أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ العلق : 13 ] للنبي عليه الصلاة والسلام فلو جعلنا الوسط لغير النبي لخرج الكلام عن النظم الحسن ، يقول اللّه تعالى يا محمد : أرأيت إن كان هذا الكافر ، ولم يقل : لو كان إشارة إلى المستقبل كأنه يقول : أرأيت إن صار على الهدى ، واشتغل بأمر نفسه ، أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة ، فلو اختار الدين والهدى والأمر بالتقوى ، أما كان ذلك خيرا له من الكفر باللّه والنهي عن خدمته وطاعته ، كأنه تعالى يقول : تلهف عليه كيف فوت على نفسه المراتب العالية وقنع بالمراتب الدنيئة . القول الثاني : أنه خطاب للكافر ، لأن اللّه تعالى كالمشاهد للظالم والمظلوم ، وكالمولى الذي قام بين يديه عبدان ، وكالحاكم الذي حضر عنده المدعي ، والمدعى عليه فخاطب هذا مرة وهذا / مرة . فلما قال للنبي :