فخر الدين الرازي

377

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته ، فحينئذ يعرفه إلها . المسألة الرابعة : السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات ، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربا للناس ، ملكا للناس ، إلها للناس . ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربا وملكا وإلها لهم . المسألة الخامسة : لا يجوز هاهنا مالك الناس ويجوز : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ في سورة الفاتحة ، والفرق أن قوله : بِرَبِّ النَّاسِ أفاد كونه مالكا لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكا فهو ملك ، فإن قيل : أليس قال في سورة الفاتحة : رَبِّ الْعالَمِينَ ثم قال : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فيلزم وقوع التكرار هناك ؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين ، وهي الأشياء الموجودة في الحال ، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير ، وأما هاهنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد ، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق ، وأيضا فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس ، وقد قرئ مالك لكن في الشواذ . [ سورة الناس ( 114 ) : آية 4 ] مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) قوله تعالى : مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الوسواس اسم بمعنى الوسوسة ، كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فوسواس بالكسر كزلزال والمراد به الشيطان سمي بالمصدر ، كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه ، نظيره قوله : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ هود : 46 ] والمراد ذو الوسواس وتحقيق الكلام في الوسوسة قد تقدم في قوله : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ [ الأعراف : 20 ] وأما الخناس فهو الذي عادته أن يخنس منسوب إلى الخنوس وهو التأخر كالعواج والنفاثات ، عن سعيد بن جبير إذا ذكر الإنسان ربه خنس الشيطان وولى ، فإذا غفل وسوس إليه . [ سورة الناس ( 114 ) : آية 5 ] الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) قوله تعالى : الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . اعلم أن قوله : الَّذِي يُوَسْوِسُ يجوز في محله الحركات الثلاث فالجر على الصفة والرفع والنصب على الشتم ، ويحسن أن يقف القارئ على الخناس ويبتدئ الذي يوسوس ، على أحد هذين الوجهين . [ سورة الناس ( 114 ) : آية 6 ] مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 ) أما قوله تعالى : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ففيه وجوه : أحدها : كأنه يقول الوسواس الخناس قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس كما قال : شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] وكما أن شيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى فشيطان الإنس يكون كذلك ، وذلك لأنه يرى نفسه كالناصح المشفق ، فإن زجره السامع يخنس ، ويترك الوسوسة ، وإن قبل السامع كلامه بالغ فيه وثانيها : قال قوم قوله : مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ قسمان مندرجان تحت قوله في : صُدُورِ النَّاسِ كأن القدر