فخر الدين الرازي

375

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يحولنهم من رأي إلى رأي ، ومن عزيمة إلى عزيمة ، فأمر اللّه رسوله بالتعوذ من شرهن كقوله : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [ التغابن : 14 ] فلذلك عظم اللّه كيدهن فقال : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [ يوسف : 28 ] . واعلم أن هذا القول حسن ، لولا أنه على خلاف قول أكثر المفسرين . المسألة الثانية : أنكرت المعتزلة تأثير السحر ، وقد تقدمت هذه المسألة ، ثم قالوا : سبب الاستعاذة من شرهن لثلاثة أوجه أحدها : أن يستعاذ من إثم عملهن في السحر والثاني : أن يستعاذ من فتنتهن الناس بسحرهن أن يستعاذ من إطعامهن الأطعمة الرديئة المورثة للجنون والموت . [ سورة الفلق ( 113 ) : آية 5 ] وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ ( 5 ) من المعلوم أن الحاسد هو الذي تشتد محبته لإزالة نعمة الغير إليه ، ولا يكاد يكون كذلك إلا ولو تمكن من ذلك بالحيل لفعل ، فلذلك أمر اللّه بالتعوذ منه ، وقد دخل في هذه السورة كل شر يتوقى ويتحرز منه دينا ودنيا ، فلذلك لما نزلت فرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنزولها لكونها مع ما يليها جامعة في التعوذ لكل أمر ، ويجوز أن يراد بشر الحاسد إثمه وسماجة حاله في وقت حسده وإظهاره أثره . بقي هنا سؤالان : السؤال الأول : قوله : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ عام في كل ما يستعاذ منه ، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنفاثات والحاسد الجواب : تنبيها على أن هذه الشرور أعظم أنواع الشر . السؤال الثاني : لم عرف بعض المستعاذ منه ونكر بعضه ؟ الجواب : عرف النفاثات لأن كل نفاثة شريرة ، ونكر غاسقا لأنه ليس كل غاسق شريرا ، وأيضا ليس كل حاسد شريرا ، بل رب حسد يكون محمودا وهو الحسد في الخيرات . واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .