فخر الدين الرازي
371
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قلبك لي فلا تدخل فيه حب غيري ، ولسانك لي فلا تذكر به أحدا غيري ، وبدنك لي فلا تشغله بخدمة غيري ، وإن أردت شيئا فلا تطلبه إلا مني ، فإن أردت العلم فقل : رب زدني علما وإن أردت الدنيا فاسألوا اللّه من فضله ، وإن خفت ضررا فقل : أعوذ برب الفلق فإني أنا الذي وصفت نفسي بأني خالق الإصباح . وبأني فالق الحب والنوى ، وما فعلت هذه الأشياء إلا لأجلك ، فإذا كنت أفعل كل هذه الأمور لأجلك ، أفلا أصونك عن الآفات والمخافات . المسألة الرابعة : ذكروا في الفلق وجوها أحدها : أنه الصبح وهو قول الأكثرين قال الزجاج : لأن الليل يفلق عنه الصبح ويفرق فعل بمعنى مفعول يقال : هو أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح وتخصيصه في التعوذ لوجوه الأول : أن القادر على إزالة هذه الظلمات الشديدة عن كل هذا العالم يقدر أيضا أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويخشاه الثاني : أن طلوع الصبح كالمثال لمجيء الفرج ، فكما أن الإنسان في الليل يكون منتظرا لطلوع الصباح كذلك الخائف يكون مترقبا لطلوع صباح النجاح الثالث : أن الصبح كالبشرى فإن الإنسان في الظلام يكون كلحم على وضم ، فإذا ظهر الصبح فكأنه صاح بالأمان وبشر بالفرج ، فلهذا السبب يجد كل مريض ومهموم خفة في وقت السحر ، فالحق سبحانه يقول : قل أعوذ برب يعطي إنعام فلق الصبح قبل السؤال ، فكيف بعد السؤال الرابع : قال بعضهم : إن يوسف عليه السلام لما ألقي في الجب وجعت ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه السلام بإذن اللّه يسليه ويأمره بأن يدعوا ربه فقال : يا جبريل أدع أنت وأؤمن أنا فدعا جبريل وأمن يوسف فكشف اللّه ما كان به من الضر ، فلما طاب وقت يوسف قال جبريل : وأنا أدعو أيضا / وتؤمن أنت ، فسأل يوسف ربه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت ، فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل ، وروي أن دعاءه في الجب : يا عدتي في شدتي ويا مؤنسي في وحشتي ويا راحم غربتي ويا كاشف كربتي ويا مجيب دعوتي ، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم صغر سني وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام الخامس : لعل تخصيص الصبح بالذكر في هذا الموضع لأنه وقت دعاء المضطرين وإجابة الملهوفين فكأنه يقول : قل أعوذ برب الوقت الذي يفرج فيه عن كل مهموم السادس : يحتمل أنه خص الصبح بالذكر لأنه أنموذج من يوم القيامة لأن الخلق كالأموات والدور كالقبور ، ثم منهم من يخرج من داره مفلسا عريانا لا يلتفت إليه ، ومنهم من كان مديونا فيجر إلى الحبس ، ومنهم من كان ملكا مطاعا فتقدم إليه المراكب ويقوم الناس بين يديه ، كذا في يوم القيامة بعضهم مفلس عن الثواب عار عن لباس التقوى يجر إلى الملك الجبار ، ومن عبد كان مطيعا لربه في الدنيا فصار ملكا مطاعا في العقبى يقدم إليه البراق السابع : يحتمل أنه تعالى خص الصبح بالذكر لأنه وقت الصلاة الجامعة لأحوال القيامة فالقيام في الصلاة يذكر القيام يوم القيامة كما قال : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ المطففين : 6 ] والقراءة في الصلاة تذكر قراءة الكتب والركوع في الصلاة يذكر من القيامة قوله : ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [ السجدة : 12 ] والسجود في الصلاة يذكر قوله : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [ القلم : 42 ] والقعود يذكر قوله : وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [ الجاثية : 28 ] فكان العبد يقول : إلهي كما خلصتني من ظلمة الليل فخلصني من هذه الأهوال ، وإنما خص وقت صلاة الصبح لأن لها مزيد شرف على ما قال : إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [ الإسراء : 78 ] أي تحضرها ملائكة الليل والنهار الثامن : أنه وقت الاستغفار