فخر الدين الرازي
349
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والسلام بما ذا تفضل ؟ فقال : تبا لهذا الدين يستوي فيه أنا وغيري ورابعها : كان إذا وفد على النبي وفد سألوا عمه عنه وقالوا : أنت أعلم به فيقول لهم : إنه ساحر فيرجعون عنه ولا يلقونه ، فأتاه وفد فقال لهم مثل ذلك فقالوا : لا ننصرف حتى نراه فقال : إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبا له وتعسا ، فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك فحزن ونزلت السورة . [ سورة المسد ( 111 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ( 1 ) اعلم أن قوله : تَبَّتْ فيه أقاويل أحدها : التباب الهلاك ، ومنه قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم ، ونظيره قوله تعالى : وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ [ غافر : 37 ] أي في هلاك ، والذي يقرر ذلك أن الأعرابي لما واقع أهله في نهار رمضان قال : هلكت وأهلكت ، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر ذلك ، فدل على أنه كان صادقا في ذلك ، ولا شك أن العمل إما أن يكون داخلا في الإيمان ، أو إن كان داخلا لكنه أضعف أجزائه ، فإذا كان بترك العمل حصل الهلاك ، ففي حق أبي لهب حصل ترك الاعتقاد والقول والعمل ، وحصل وجود الاعتقاد الباطل والقول الباطل والعمل الباطل ، فكيف يعقل أن لا يحصل معنى الهلاك ، فلهذا قال : تَبَّتْ وثانيها : تبت خسرت ، والتباب هو الخسران المفضي إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] أي تخسير بدليل أنه قال في موضع آخر : غَيْرَ تَخْسِيرٍ [ هود : 63 ] وثالثها : تبت خابت ، قال ابن عباس : لأنه كان يدفع القوم عنه بقوله : إنه ساحر ، فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم ، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوة الشديدة فصار متهما فلم يقبل قوله في الرسول بعد ذلك ، فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه ، ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه فيقول : انصرف راشدا فإنه مجنون ، فإن المعتاد أن من يصرف إنسانا عن موضع وضع يده على كتفه ودفعه عن ذلك الموضع ورابعها : عن عطاء تبت أي غلبت لأنه كان يعتقد أن يده هي العليا وأنه يخرجه من مكة ويذله ويغلب عليه وخامسها عن ابن وثاب صفرت يداه على كل خير ، وإن قيل : ما فائدة ذكر اليد ؟ قلنا : فيه وجوه أحدها : ما يرى أنه أخذ حجرا ليرمي به رسول اللّه ، روى عن طارق المحاربي أنه قال : رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السوق يقول : يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا اللّه تفلحوا ، ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد أدمى عقبيه ، / لا تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : محمد وعمه أبو لهب : وثانيها : المراد من اليدين الجملة كقوله تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ [ الحج : 10 ] ومنه قولهم : يداك أوكتا ، وقوله تعالى : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] وهذا التأويل متأكد بقوله : وَتَبَّ وثالثها : تبت يداه أي دينه ودنياه ، أولاه وعقباه ، أو لأن بإحدى اليدين تجر المنفعة ، وبالأخرى تدفع المضرة ، أو لأن اليمنى سلاح والأخرى جنة ورابعها : روي أنه عليه السلام لما دعاه نهارا فأبى ، فلما جن الليل ذهب إلى داره مستنا بسنة نوح ليدعوه ليلا كما دعاه نهارا ، فلما دخل عليه قال له : جئتني معتذرا فجلس النبي عليه السلام أمامه كالمحتاج ، وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال : إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت ، فقال : لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي ، فقال عليه الصلاة والسلام للجدي : من أنا ؟ فقال رسول اللّه وأطلق لسانه يثني عليه ، فاستولى الحسد على أبي لهب ، فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال : تبا لك أثر فيك السحر ، فقال الجدي : بل تبا لك ، فنزلت السورة على وفق ذلك تبت يدا أبي لهب لتمزيقه يدي الجدي وخامسها : قال محمد بن إسحاق : يروى أن أبا لهب كان يقول : يعدني محمد أشياء ، لا