فخر الدين الرازي
215
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة العلق ( تسع عشرة آية مكية ) زعم المفسرون : أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن وقال آخرون : الفاتحة أول ما نزل ثم سورة العلق . [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اعلم أن في الباء من قوله : بِاسْمِ رَبِّكَ قولين : أحدهما : قال أبو عبيدة : الباء زائدة ، والمعنى : اقرأ اسم ربك ، كما قال الأخطل : هن الحرائر لا ربات أخمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور ومعنى اقرأ اسم ربك ، أي أذكر اسمه ، وهذا القول ضعيف لوجوه أحدها : أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول : ما أنا بقارئ ، أي لا أذكر اسم ربي وثانيها : أن هذا الأمر لا يليق بالرسول ، لأنه ما كان له شغل سوى ذكر اللّه ، فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولا به أبدا وثالثها : أن فيه تضييع الباء من غير فائدة . القول الثاني : أن المراد من قوله : اقْرَأْ أي اقرأ القرآن ، إذ القراءة لا تستعمل إلا فيه قال تعالى : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ القيامة : 18 ] وقال : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ [ الإسراء : 106 ] وقوله : بِاسْمِ رَبِّكَ يحتمل وجوها أحدها : أن يكون محل باسم ربك النصب على الحال فيكون التقدير : اقرأ القرآن مفتتحا باسم ربك أي قل : باسم اللّه ثم اقرأ ، وفي هذا دلالة على أنه يجب قراءة التسمية في ابتداء كل سورة كما أنزل اللّه تعالى وأمر به ، وفي هذه الآية رد على من لا يرى ذلك واجبا ولا يبتدئ بها وثانيها : أن يكون المعنى اقرأ القرآن مستعينا باسم ربك كأنه يجعل الاسم آلة فيما يحاوله من أمر الدين والدنيا ، ونظيره كتبت بالقلم ، وتحقيقه أنه لما قال له : اقْرَأْ فقال له : لست بقارئ ، فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي استعن باسم ربك واتخذه آلة في تحصيل هذا الذي عسر عليك وثالثها : أن قوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي اجعل هذا الفعل للّه وافعله لأجله كما تقول : بنيت هذه الدار باسم الأمير وصنعت هذا الكتاب باسم الوزير ولأجله ، فإن العبادة / إذا صارت للّه تعالى ، فكيف يجترئ الشيطان أن يتصرف فيما هو للّه تعالى ؟ فإن قيل : كيف يستمر هذا