فخر الدين الرازي
328
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
نعمة العقل والنبوة ، ثم قد عرفت أن الشاة والكلب لا ينسيان نعمة الإطعام ولا يميلان إلى غير من أطعمهما فكيف يليق بالعاقل أن ينسى نعمة الإيجاد والإحسان فكيف في حق أفضل الخلق : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ السادس والثلاثون : مذهب الشافعي أنه يثبت حق الفرقة بواسطة الإعسار بالنفقة فإذا لم تجد من الأنصار تربية حصلت لك حق الفرقة لو كنت متصلا بها ، لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا فبتقدير أن كنت متصلا بها ، كان يجب أن تنفصل عنها وتتركها ، فكيف وما كنت متصلا بها أيليق بك أن تقرب الاتصال بها قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون السابع والثلاثون : هؤلاء الكفار لفرط حماقتهم ظنوا أن الكثرة في الإلهية كالكثرة في المال يزيد به الغني وليس الأمر كذلك بل هو كالكثرة في العيال تزيد به الحاجة فقل : يا محمد لي إليه واحد أقوم له في الليل وأصوم له في النهار ، ثم بعد لم أتفرغ من قضاء حق ذرة من ذرات نعمه ، فكيف ألتزم عبادة آلهة كثيرة قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الثامن والثلاثون : أن مريم عليها السلام لما تمثل لها جبريل عليه السلام : قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [ مريم : 18 ] فاستعاذت أن تميل إلى جبريل دون اللّه أفتستجيز مع كمال رجوليتك أن تميل إلى الأصنام قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون التاسع والثلاثون : مذهب أبي حنيفة أنه لا يثبت حق الفرقة بالعجز عن النفقة ولا بالعنة الطارئة يقول : لأنه كان قيما فلا يحسن الإعراض عنه مع أنه تعيب فالحق سبحانه يقول : كنت قيما ولم أتعيب ، فكيف يجوز الإعراض عني قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الأربعون : هؤلاء الكفار كانوا معترفين بأن اللّه خالقهم : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * [ لقمان : 25 ] وقال في موضع آخر : أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ * [ فاطر : 40 ] فكأنه تعالى يقول : هذه الشركة إما أن تكون مزارعة وذلك باطل ، لأن البذر مني والتربية والسقي مني ، والحفظ مني ، فأي شيء للصنم ، أو شركة الوجوه وذلك أيضا باطل أترى أن الصنم أكثر شهرة وظهورا مني ، أو شركة الأبدان وذلك أيضا باطل ، لأن ذلك يستدعي الجنسية ، أو شركة العنان ، وذلك أيضا باطل ، لأنه لا بد فيه من نصاب فما نصاب الأصنام ، أو يقول ليس هذه من باب الشركة لكن الصنم يأخذ بالتغلب نصيبا من الملك ، فكأن الرب يقول : ما أشد جهلكم إن هذا الصنم أكثر عجزا من الذبابة : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً [ الحج : 73 ] فأنا أخلق البذر ثم ألقيه في الأرض ، فالتربية والسقي والحفظ مني . ثم إن من هو أعجز من الذبابة يأخذ بالقهر والتغلب نصيبا مني ما هذا بقول يليق بالعقلاء قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون الحادي والأربعون : أنه لا ذرة في عالم المحدثات إلا وهي تدعو العقول إلى معرفة الذات والصفات / وأما الدعاة إلى معرفة أحكام اللّه فهم الأنبياء عليهم السلام ، ولما كان كل بق وبعوضة داعيا إلى معرفة الذات والصفات قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] ، ذلك لأن هذه البعوضة بحسب حدوث ذاتها وصفاتها تدعو إلى قدرة اللّه بحسب تركيبها العجيب تدعو إلى علم اللّه وبحسب تخصيص ذاتها وصفاتها بقدر معين تدعو إلى إرادة اللّه ، فكأنه تعالى يقول : مثل هذا الشيء كيف يتسحيا منه ، روي أن عمر رضي اللّه عنه كان في أيام خلافته دخل السوق فاشترى كرشا وحمله بنفسه فرآه علي من بعيد فتنكب علي عن الطريق فاستقبله عمر وقال له : لم تنكبت عن الطريق ؟ فقال علي : حتى لا تستحي ، فقال : وكيف أستحي من حمل ما هو غذائي ! فكأنه تعالى يقول : إذا كان عمر لا يستحي من الكرش الذي هو غذاؤه في الدنيا فكيف أستحي عن ذكر البعوض الذي يعطيك غذاء دينك ، ثم كأنه تعالى يقول : يا محمد إن نمروذ لما ادعى الربوبية صالح عليه البعوض بالإنكار ، فهؤلاء الكفار لما دعوك إلى الشرك أفلا تصيح عليهم أفلا