فخر الدين الرازي
323
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرحمن الرحيم سورة الكافرون ست آيات مكية اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروي أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن ، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات ، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعا للقرآن واللّه أعلم . [ سورة الكافرون ( 109 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) اعلم أن قوله تعالى : فيه فوائد : أحدها : أنه عليه السلام كان مأمورا بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال : قُلْ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] « 1 » بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ثم كان مأمورا بأن يدعو إلى اللّه بالوجه الأحسن : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله : قُلْ تقرير هذا المعنى وثانيها : أنه لما قيل له : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشعراء : 214 ] وهو كان يحب أقرباءه لقوله : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له : قُلْ ، وثالثها : أنه لما قيل له : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] فأمر بتبليغ كل ما أنزل عليه فلما قال اللّه تعالى له : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فأنا أيضا أبلغه إلى الخلق هكذا ورابعها : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما قال / تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * [ لقمان : 25 ] والعبد يتحمل من مولاه ما لا يتحمله من غيره ، فلو أنه عليه السلام قال ابتداء : ( يا أيها الكافرون ) لجوزوا أن يكون هذا كلام محمد ، فلعلهم ما كانوا يتحملونه منه وكانوا يؤذونه . أما لما سمعوا قوله : قُلْ علموا أنه ينقل هذا التغليظ عن خالق السماوات والأرض ، فكانوا يتحملونه ولا يعظم تأذيهم به وخامسها : أن
--> ( 1 ) في المطبوعة : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فبما رحمة من اللّه لنت لهم ) وهو خطأ لا يتفق حسب الآية المذكورة في سورة آل عمران .