فخر الدين الرازي

313

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يقول : جميع ما نلت مني عطية وإن كانت كوثرا إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفرا وخصمك أبتر ، فإنا أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر ، أما الذكر الباقي والظفر على العدو فلا يحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة بطاعة تحصل منك : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي فاعبد لي وسل الظفر بعد العبادة فإني أوجبت على كرمي أن بعد كل فريضة دعوة مستجابة ، كذا روى في الحديث المسند ، فحينئذ أستجيب فيصير / خصمك أبتر وهو الإيتاء ، فهذا ما يخطر بالبال في تفسير قوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ أما الْكَوْثَرَ فهو في اللغة فوعل من الكثرة وهو المفرط في الكثرة ، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر ، بم آب ابنك ؟ قالت : آب بكوثر ، أي بالعدد الكثير ، ويقال للرجل الكثير العطاء : كوثر ، قال الكميت : وأنت كثير يا ابن مروان طيب * وكان أبوك ابن الفضائل كوثرا ويقال للغبار إذا سطع وكثر كوثر هذا معنى الكوثر في اللغة ، واختلف المفسرون فيه على وجوه الأول : وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أنه نهر في الجنة ، روى أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « رأيت نهرا في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فضربت بيدي إلى مجرى الماء فإذا أنا بمسك أذفر ، فقلت : ما هذا ؟ قيل : الكوثر الذي أعطاك اللّه » و في رواية أنس : « أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل ، فيه طيور خضر لها أعناق كأعناق البخت من أكل من ذلك الطير وشرب من ذلك الماء فاز بالرضوان » ولعله إنما سمي ذلك النهر كوثرا إما لأنه أكثر أنهار الجنة ماء وخيرا أو لأنه انفجر منه أنهار الجنة ، كما روي أنه ما في الجنة بستان إلا وفيه من الكوثر نهر جار ، أو لكثرة الذين يشربون منها ، أو لكثرة ما فيها من المنافع على ما قال عليه السلام : « إنه نهر وعدنيه ربي فيه خير كثير » القول الثاني : أنه حوض والأخبار فيه مشهورة ووجه التوفيق بين هذا القول ، والقول الأول أن يقال : لعل النهر ينصب في الحوض أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض فيكون ذلك الحوض كالمنبع والقول الثالث : الكوثر أولاده قالوا : لأن هذه السورة إنما نزلت ردا على من عابه عليه السلام بعدم الأولاد ، فالمعنى أنه يعطيه نسلا يبقون على مر الزمان ، فانظر كم قتل من أهل البيت ، ثم العالم ممتلئ منهم ، ولم يبق من بني أمية في الدنيا أحد يعبأ به ، ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم القول الرابع : الكوثر علماء أمته وهو لعمري الخير الكثير لأنهم كأنبياء بني إسرائيل ، وهم يحبون ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وينشرون آثار دينه وأعلام شرعه ، ووجه التشبيه أن الأنبياء كانوا متفقين على أصول معرفة اللّه مختلفين في الشريعة رحمة على الخلق ليصل كل أحد إلى ما هو صلاحه ، كذا علماء أمته متفقون بأسرهم على أصول شرعه ، لكنهم مختلفون في فروع الشريعة رحمة على الخلق ، ثم الفضيلة من وجهين أحدهما : أنه يروى أنه يجاء يوم القيامة بكل نبي ويتبعه أمته فربما يجيء الرسول ومعه الرجل والرجلان ، ويجاء بكل عالم من علماء أمته ومعه الألوف الكثيرة فيجتمعون عند الرسول فربما يزيد عدد متبعي بعض العلماء على عدد متبعي ألف من الأنبياء الوجه الثاني : أنهم كانوا مصيبين لاتباعهم النصوص المأخوذة من الوحي ، وعلماء هذه الأمة يكونون مصيبين مع كد الاستنباط والاجتهاد ، أو على قول البعض : إن كان بعضهم مخطئا لكن المخطئ يكون أيضا مأجورا القول الخامس : الكوثر هو النبوة ، ولا شك أنها الخير الكثير لأنها المنزلة التي هي ثانية الربوبية / ولهذا قال : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] وهو شطر الإيمان بل هي كالغصن في معرفة اللّه تعالى ، لأن معرفة النبوة لا بد وأن يتقدمها معرفة ذات اللّه وعلمه