فخر الدين الرازي

305

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الليلة الظلماء على المسح الأسود » فإن قيل : ما معنى المراءاة ؟ قلنا هي مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يرى الناس عمله ، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به . واعلم أن قوله : عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ يفيد أمرين : إخراجها عن الوقت ، وكون الإنسان غافلا فيها ، قوله : الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ يفيد المراءاة ، فظهر أن الصلاة يجب أن تكون خالية عن هذه الأحوال الثلاثة . ثم لما شرح أمر الصلاة أعقبه بذكر الصلاة فقال : [ سورة الماعون ( 107 ) : آية 7 ] وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ( 7 ) وفيه أقوال : الأول : وهو قول أبي بكر وعلي وابن عباس وابن الحنفية وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك : هو الزكاة ، وفي حديث أبي : « من قرأ سورة أرأيت غفر اللّه له إن كان للزكاة مؤديا » وذلك يوهم أن الماعون هو الزكاة ، ولأن اللّه تعالى ذكره عقيب الصلاة ، فالظاهر أن يكون ذلك هو الزكاة والقول الثاني : وهو قول أكثر المفسرين ، أن الماعون اسم لما لا يمنع في العادة ويسأله الفقير والغني ، ينسب مانعه إلى سوء الخلق ولؤم الطبيعة كالفأس والقدر والدلو والمقدحة والغربال والقدوم ، ويدخل فيه الملح والماء والنار . فإنه روي : « ثلاثة لا يحل منعها ، الماء والنار والملح » ومن ذلك أن يلتمس جارك أن يخبز في تنورك ، أو يضع متاعه عندك يوما أو نصف يوم ، وأصحاب هذا القول قالوا : الماعون فاعول من المعن وهو الشيء القليل ومنه ماله سعته ولا معنة أي كثير و [ لا ] قليل ، وسميت الزكاة ماعونا ، لأنه يؤخذ من المال ربع العشر ، فهو قليل من كثير ، ويسمى ما يستعار في العرف كالفأس والشفرة ماعونا ، وعلى هذا التقدير يكون معنى الآية الزجر عن البخل بهذه الأشياء القليلة ، فإن البخل بها يكون في نهاية الدناءة والركاكة ، والمنافقون كانوا كذلك ، لقوله تعالى : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ * [ النساء : 37 ] وقال : مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [ القلم : 12 ] قال العلماء : ومن الفضائل أن يستكثر الرجل في منزله مما يحتاج إليه الجيران ، فيعيرهم ذلك ولا يقتصر على الواجب والقول الثالث : قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : الماعون هو الماء وأنشدني فيه : يمج بعيره الماعون مجا ولعله خصه بذلك لأن أعز مفقود وأرخص موجود ، وأول شيء يسأله أهل النار الماء ، كما قال : أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [ الأعراف : 50 ] وأول لذة يجدها أهل الجنة هو الماء ، كما قال : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ [ الإنسان : 21 ] القول الرابع : الماعون حسن الانقياد ، يقال : رض بعيرك حتى يعطيك الماعون ، أي حتى يعطيك الطاعة . واعلم أن الأولى أن يحمل على كل طاعة يخف فعلها لأنه أكثر فائدة ، ثم قال المحققون في الملاءمة بين قوله : يُراؤُنَ وبين قوله : وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ كأنه تعالى يقول الصلاة لي والماعون للخلق ، فما يجب جعله لي يعرضونه على الخلق وما هو حق الخلق يسترونه عنهم فكأنه لا يعامل الخلق والرب إلا على العكس فإن قيل : لم لم يذكر اللّه اسم الكافر بعينه ؟ فإن قلت للستر عليه ، قلت لم لم يستر على آدم بل قال : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ [ طه : 121 ] ؟ والجواب : أنه تعالى ذكر زلة آدم لكن بعد موته مقرونا بالتوبة ليكون لطفا لأولاده ، أنه أخرج من الجنة بسبب الصغيرة فكيف يطمعون في الدخول مع الكبيرة ، وأيضا فإن وصف تلك الزلة رفعة له فإنه