فخر الدين الرازي
94
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إلى قوله إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ] اعلم أنه سبحانه لما وصف كرامة الأبرار في الآخرة ذكر بعد ذلك قبح معاملة الكفار معهم في الدنيا في استهزائهم وضحكهم ، ثم بين أن ذلك سينقلب على الكفار في الآخرة ، والمقصود منه تسلية المؤمنين وتقوية قلوبهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجهين الأول : أن المراد من قوله : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أكابر المشركين كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل السهمي كانوا يضحكون من عمار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المسلمين ويستهزئون بهم الثاني : جاء علي عليه السلام في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا : رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه ، فنزلت هذه الآية قبل أن يصل علي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عنهم أربعة أشياء من المعاملات القبيحة فأولها : قوله : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ أي يستهزئون بهم وبدينهم وثانيها : قوله : وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ أي يتفاعلون من الغمز ، وهو الإشارة بالجفن والحاجب ويكون الغمز أيضا بمعنى العيب وغمزه إذا عابه ، وما في فلان غميزة أي ما يعاب به ، والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء ويعيبونهم ، ويقولون : انظروا إلى هؤلاء يتعبون أنفسهم ويحرمونها لذاتها ويخاطرون بأنفسهم في طلب ثواب لا يتيقنونه وثالثها : قوله تعالى : وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين معجبين بما هم فيه من الشرك والمعصية والتنعم بالدنيا ، أو يتفكهون بذكر المسلمين بالسوء ، قرأ عاصم في رواية حفص عنه : فَكِهِينَ بغير ألف في هذا الموضع وحده ، وفي / سائر القرآن فاكِهِينَ * بالألف وقرأ الباقون فاكهين بالألف ، فقيل : هما لغتان ، وقيل : فاكهين أي متنعمين مشغولين بما هم فيه من الكفر والتنعم بالدنيا وفكهين معجبين ورابعها : قوله تعالى : وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ أي هم على ضلال في تركهم التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يدري هل له وجود أم لا ، وهذا آخر ما حكاه تعالى عن الكفار . ثم قال تعالى : وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يعني أن اللّه تعالى لم يبعث هؤلاء الكفار رقباء على المؤمنين ، يحفظون عليهم أحوالهم ويتفقدون ما يصنعونه من حق أو باطل ، فيعبون عليهم ما يعتقدونه ضلالا ، بل إنما أمروا بإصلاح أنفسهم .