فخر الدين الرازي
73
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها . وثانيها : أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة ، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها وثالثها : قال الحسن : فجرت أي يبست . واعلم أن على الوجوه الثلاثة ، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها ، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [ إبراهيم : 48 ] وتغير الجبال عن صفتها في قوله : فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً [ طه : 105 ، 106 ] ورابعها : قرأ بعضهم : فجرت بالتخفيف ، وقرأ مجاهد : فجرت على البناء للفاعل والتخفيف ، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظرا إلى قوله : لا يَبْغِيانِ [ الرحمن : 20 ] لأن البغي والفجور أخوان . وأما الثاني : فقوله : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد ، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما ، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها ، ثم هاهنا وجهان أحدهما : أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء ، كما قال تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] والثاني : أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها ، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى ، والأول أقرب ، لأن دلالة القبور على الأول أتم . المقام الثاني : في فائدة هذا الترتيب ، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا ، وانقطاع التكاليف ، والسماء كالسقف ، والأرض كالبناء ، ومن أراد تخريب دار ، فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف ، وذلك هو قوله : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب ، وذلك هو قوله : وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله : وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء ، وذلك هو قوله : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهرا لبطن ، وبطنا لظهر . المقام الثالث : في تفسير قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ وفيه احتمالان الأول : أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة ، ثم فيه وجوه أحدها : وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية ، والترغيب في الطاعة ، أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ما قدم ، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه ، لأن قوله : ما قَدَّمَتْ يقتضي فعلا وما أَخَّرَتْ يقتضي تركا ، فهذا الكلام يقتضي فعلا وتركا وتقصيرا وتوفيرا ، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار ، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة وثانيها : ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وما أخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر وثالثها : قال الضحاك : ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ضيعت ورابعها : قال أبو مسلم : ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت في آخر عمرها ، فإن قيل : وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم ؟ قلنا : أما / العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان الحشر ، لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر . وأما العلم التفصيل ، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة . الاحتمال الثاني : أن يكون المراد قيل : قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع التكاليف ، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال : لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً