فخر الدين الرازي

70

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

نباح الكلاب وأصوات الدجاج قلبتها » وذكر مقاتل أن شيطانا يقال له الأبيض صاحب الأنبياء قصد أن يفتن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فدفعه جبريل دفعة رقيقة وقع بها من مكة إلى أقصى الهند ، ومنهم من حمله على القوة في أداء طاعة اللّه وترك الإخلال بها من أول الخلق إلى آخر زمان التكليف ، وعلى القوة في معرفة اللّه وفي مطالعة جلال اللّه . ورابعها : قوله تعالى : عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ وهذه العندية ليست عندية المكان ، مثل قوله : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ [ الأنبياء : 19 ] وليست عندية الجهة بدليل قوله « أنا عند المنكسرة قلوبهم » بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم . وأما مَكِينٍ فقال الكسائي : يقال قد مكن فلان عند فلان بضم الكاف مكنا ومكانة ، فعلى هذا المكين هو ذو الجاه الذي يعطي ما يسأل . [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 21 ] مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( 21 ) وخامسها : قوله تعالى : مُطاعٍ ثَمَّ اعلم أن قوله : ثَمَّ إشارة إلى الظرف المذكور أعني عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ [ التكوير : 20 ] والمعنى أنه عند اللّه مطاع في ملائكته المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ، وقرئ ثم تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة . وسادسها : قوله : أَمِينٍ أي هو أمين على وحي اللّه ورسالاته ، قد عصمه اللّه من الخيانة والزلل . [ سورة التكوير ( 81 ) : الآيات 22 إلى 24 ] وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) ثم قال تعالى : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ واحتج بهذه الآية من فضل جبريل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إنك إذا وازنت بين قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [ التكوير : 19 - 21 ] وبين قوله : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ظهر التفاوت العظيم : وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ يعني حيث تطلع الشمس في قول الجميع ، وهذا مفسر في سورة النجم وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي : وما محمد على الغيب بظنين والغيب هاهنا القرآن وما فيه من الأنباء والقصص والظنين المتهم يقال : ظننت زيدا في معنى اتهمته ، وليس من الظن الذي يتعدى إلى مفعولين ، والمعنى ما محمد على القرآن بمتهم أي هو ثقة فيما يؤدي عن اللّه ، ومن قرأ بالضاد فهو من البخل يقال ضننت به أضن أي بخلت ، والمعنى ليس ببخيل فيما أنزل اللّه ، قال الفراء : يأتيه غيب السماء ، وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم ، وقال أبو علي الفارسي : المعنى أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك ويمتنع من إعلامه حتى يأخذ عليه حلوانا ، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى لوجهين : أحدهما : أن الكفار لم يبخلوه ، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل وثانيها : قوله : عَلَى الْغَيْبِ ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال : فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا . ثم قال تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 25 ] وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) كان أهل مكة يقولون : إن هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه ، فنفى اللّه ذلك ، فإن قيل القول بصحة النبوة موقوف على نفي هذا الاحتمال ، فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال بالدليل السمعي ؟ قلنا بينا أن