فخر الدين الرازي
57
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قذوة وآخره جيفة مذرة ، وفيها بين الوقتين حمال عذرة ، فلا جرم ذكر تعالى ما يصلح أن يكون علاجا لعجبهم ، وما يصلح أن يكون علاجا لكفرهم ، فإن خلقة الإنسان تصلح لأن يستدل بها على وجود الصانع ، ولأن يستدل بها على القول بالبعث والحشر والنشر . المسألة الثانية : قال المفسرون : نزلت الآية في عتبة بن أبي لهب ، وقال آخرون : المراد بالإنسان الذين أقبل الرسول عليهم وترك ابن أم مكتوم بسببهم ، وقال آخرون : بل المراد ذم كل غني ترفع على فقير بسبب الغنى والفقر ، والذي يدل على ذلك وجوه أحدها : أنه تعالى ذمهم لترفعهم فوجب أن يعم الحكم بسبب عموم العلة وثانيها : أنه تعالى زيف طريقتهم بسبب حقارة حال الإنسان في الابتداء والانتهاء على ما قال : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ . . . ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [ عبس : 19 - 21 ] وعموم هذا الزجر يقتضي عموم الحكم وثالثها : وهو أن حمل اللفظ على هذا الوجه أكثر فائدة ، واللفظ محتمل له فوجب حمله عليه . المسألة الثالثة : قوله تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ دعاء عليه وهي من أشنع دعواتهم ، لأن القتل غاية شدائد الدنيا وما أكفره تعجب من إفراطه في كفران نعمة اللّه ، فقوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب ، وقوله : ما أَكْفَرَهُ تنبيه على أنواع القبائح والمنكرات ، فإن قيل الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز والقادر على الكل كيف يليق به ذاك ؟ والتعجب أيضا إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء ، فالعالم بالكل كيف يليق به ذاك ؟ الجواب : أن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب وتحقيقه ما ذكرنا أنه تعالى بين أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب لأجل أنهم أتوا بأعظم أنواع القبائح ، واعلم أن لكل محدث ثلاث مراتب أوله ووسطه وآخره ، وأنه تعالى ذكر هذه المراتب الثلاثة للإنسان . أما المرتبة الأولى : فهي قوله : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 18 ] مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) وهو استفهام وغرضه زيادة التقرير في التحقير . [ سورة عبس ( 80 ) : آية 19 ] مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثم أجاب عن ذلك الاستفهام بقوله : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ولا شك أن النطفة شيء حقير مهين / والغرض منه أن من كان أصله [ من ] مثل هذا الشيء الحقير ، فالنكير والتجبر لا يكون لائقا به . ثم قال : فَقَدَّرَهُ وفيه وجوه : أحدها : قال الفراء : قدره أطوارا نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه وذكرا أو أنثى وسعيدا أو شقيا وثانيها : قال الزجاج : المعنى قدره على الاستواء كما قال : أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [ الكهف : 37 ] ، وثالثها : يحتمل أن يكون المراد وقدر كل عضو في الكمية والكيفية بالقدر اللائق بمصلحته ، ونظيره قوله : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [ الفرقان : 2 ] . وأما المرتبة الثانية : وهي المرتبة المتوسطة فهي قوله تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 20 ] ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : نصب السبيل بإضمار يسره ، وفسره بيسره .