فخر الدين الرازي
46
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السماء ، ثم إنه تعالى لما وصف كيفية خلق السماء أتبعه بكيفية خلق الأرض وذلك من وجوه : الصفة الأولى : قوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 30 ] وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : دحاها بسطها ، قال زيد بن عمرو بن نفيل : دحاها فلما رآها استوت * على الماء أرسى عليها الجبالا وقال أمية بن أبي الصلت : دحوت البلاد فسويتها * وأنت على طيها قادر قال أهل اللغة في هذه اللفظة لغتان دحوت أدحو ، ودحيت أدحى ، ومثله صفوت وصفيت ولحوت العود ولحيته وسأوت الرجل وسأيته وبأوت عليه وبأيت ، وفي حديث علي عليه السلام « اللهم داحي المدحيات » أي باسط الأرضين السبع وهو المدحوات أيضا ، وقيل : أصل الدحو الإزالة للشيء من مكان إلى مكان ، ومنه يقال : إن الصبي يدحو بالكرة أي يقذفها على وجه الأرض ، وأدحى النعامة موضعه الذي يكون فيه أي بسطته وأزلت ما فيه من حصى ، حتى يتمهد له ، وهذا يدل على أن معنى الدحو يرجع إلى الإزالة والتمهيد . المسألة الثانية : ظاهر الآية يقتضي كون الأرض بعد السماء ، وقوله : في حم السجدة ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ فصلت : 11 ] يقتضي كون السماء بعد الأرض ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ [ البقرة : 29 ] ولا بأس بأن نعيد بعض تلك الوجوه أحدها : أن اللّه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا ثم دحى الأرض أي بسطها ثالثا ، وذلك لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة ، ثم إن اللّه تعالى مدها وبسطها ، فإن قيل الدلائل الاعتبارية دلت على أن الأرض الآن كرة أيضا ، وإشكال آخر وهو أن الجسم العظيم يكون ظاهره كالسطح المستوي ، فيستحيل أن يكون هذا الجسم مخلوقا ولا يكون ظاهره مدحوا مبسوطا وثانيها : أن لا يكون معنى قوله دَحاها : مجرد البسط ، بل يكون المراد أنه بسطها بسطا مهيأ لنبات الأقوات وهذا هو الذي بينه بقوله : أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها [ النازعات : 31 ] وذلك لأن هذا الاستعداد لا يحصل للأرض إلا بعد وجود السماء فإن الأرض كالأم والسماء كالأب ، وما لم يحصلا لم تتولد أولا المعادن والنباتات والحيوانات وثالثها : أن يكون قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ أي مع ذلك كقوله : عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [ القلم : 13 ] أي مع ذلك ، وقولك للرجل أنت كذا وكذا ثم أنت بعدها كذا لا تريد به الترتيب ، وقال تعالى : فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ إلى قوله : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 17 ] والمعنى وكان مع هذا من أهل الإيمان باللّه ، فهذا تقرير ما نقل عن ابن عباس ومجاهد والسدي وابن جريج أنهم قالوا في قوله : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي مع ذلك دحاها . المسألة الثالثة : لما ثبت أن اللّه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق السماء ثانيا ، ثم دحى الأرض بعد ذلك ثالثا ، ذكروا في تقدير تلك الأزمنة وجوها . روي عن عبد اللّه بن عمر « خلق اللّه البيت قبل الأرض بألفي سنة ،