فخر الدين الرازي

32

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

من قولهم : ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد ، وهي سابحات لأنها تسبح في جريها وهي سابقات ، لأنها تسبق إلى الغاية ، وهي مدبرات لأمر الغلبة والظفر ، وإسناد التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه . الوجه الخامس : وهو اختيار أبي مسلم رحمه اللّه أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدي الغزاة يقال : للرامي نزع في قوسه ، ويقال : أغرق في النزع إذا استوفى مد القوس ، والناشطات السهام وهي خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها ، وكل شيء حللته فقد نشطته ، ومنه نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته ، والسابحات في هذا الموضع الخيل وسبحها العدو ، ويجوز أن يعني به الإبل أيضا ، والمدبرات مثل المعقبات ، والمراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو نزع السهام وسبح الخيل وسبقها الأمر الذي هو النصر ، ولفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات ، كما قيل : المدبرات ، ويحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس والأوهاق ، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها . الوجه السادس : أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير اللّه تعالى إلى اللّه ف النَّازِعاتِ غَرْقاً هي الأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى ، أو المنزوعة عن محبة غير اللّه تعالى : وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة ، والتخلق بأخلاق اللّه سبحانه وتعالى بنشاط تام ، وقوة قوية : وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار فتسبح فيها : فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها إلى اللّه تعالى : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً إشارة إلى أن آخر مراتب / البشرية متصلة بأول درجات الملكية ، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً فالأربعة الأول هي المراد من قوله : يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ [ النور : 35 ] والخامسة : هي النار في قوله : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ [ النور : 35 ] . واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نصا ، حتى لا يمكن الزيادة عليها ، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملا لها ، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لا بد هاهنا من دقيقة ، وهو أن اللفظ محتمل للكل ، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوما واحدا مشتركا حملنا اللفظ على ذلك المشترك : وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه . أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل ، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معا ، فحينئذ لا نقول مراد اللّه تعالى هذا ، بل نقول : يحتمل أن يكون هذا هو المراد ، أما الجزم فلا سبيل إليه هاهنا . الاحتمال الثاني : وهو أن لا تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد ، بل لأشياء مختلفة ، ففيه أيضا وجوه الأول : النازعات غرقا ، هي : القسي ، والناشطات نشطا هي الأوهاق ، والسابحات السفن ، والسابقات الخيل ، والمدبرات الملائكة ، رواه واصل بن السائب : عن عطاء الثاني : نقل عن مجاهد : في النازعات ، والناشطات ، والسابحات أنها الموت ، وفي السابقات ، والمدبرات أنها الملائكة ، وإضافة النزع ، والنشط ، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث : قال قتادة : الجميع هي النجوم إلا المدبرات ، فإنها هي الملائكة . المسألة الثانية : ذكر فالسابقات بالفاء ، والتي قبلها بالواو ، وفي علته وجهان الأول : قال صاحب « الكشاف » : إن هذه مسيبة عن التي قبلها ، كأنه قيل : واللاتي سبحن ، فسبقن كما تقول : قام فذهب أوجب الفاء