فخر الدين الرازي

22

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ورابعها : قوله تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 34 ] وَكَأْساً دِهاقاً ( 34 ) وفي الدهاق أقوال الأول : وهو قول أكثر أهل اللغة كأبي عبيدة والزجاج والكسائي والمبرد ، و دِهاقاً أي ممتلئة ، دعا ابن عباس غلاما له فقال : اسقنا دهاقا ، فجاء الغلام بها ملأى ، فقال ابن عباس : هذا هو الدهاق قال عكرمة ، ربما سمعت ابن عباس يقول : اسقنا وادهق لنا القول الثاني : دهاقا أي متتابعة وهو قول أبي هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد ، قال الواحدي : وأصل هذا القول من قول العرب : أدهقت الحجارة إدهاقا وهو شدة تلازمها ودخول بعضها في بعض ، ذكرها الليث والمتتابع كالمتداخل القول الثالث : يروى عن عكرمة أنه قال : دِهاقاً أي صافية ، والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع داهق ، وهو خشبتان يعصر بهما ، والمراد بالكأس الخمر ، قال الضحاك : كل كأس في القرآن فهو خمر ، التقدير . وخمرا ذات دهاق ، أي عصرت وصفيت بالدهاق . وخامسها : قوله : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 35 ] لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 ) في الآية سؤالان : الأول : الضمير في قوله : فِيها إلى ما ذا يعود ؟ الجواب فيه قولان الأول : أنها ترجع إلى الكأس ، أي لا يجري بينهم لغو في الكأس التي يشربونها ، وذلك لأن أهل الشراب / في الدنيا يتكلمون بالباطل ، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم ، ولم يتكلموا بلغو والثاني : أن الكناية ترجع إلى الجنة ، أي لا يسمعون في الجنة شيئا يكرهونه . السؤال الثاني : الكذاب بالتشديد يفيد المبالغة ، فوروده في قوله تعالى : وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً [ النبأ : 28 ] مناسب لأنه يفيد المبالغة في وصفهم بالكذب ، أما وروده هاهنا فغير لائق ، لأن قوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً يفيد أنهم لا يسمعون الكذب العظيم وهذا لا ينفي أنهم يسمعون الكذب القليل ، وليس مقصود الآية ذلك بل المقصود المبالغة في أنهم لا يسمعون الكذب البتة ، والحاصل أن هذا اللفظ يفيد نفي المبالغة واللائق بالآية المبالغة في النفي والجواب : أن الكسائي قرأ الأول بالتشديد والثاني بالتخفيف ، ولعل غرضه ما قررناه في هذا السؤال ، لأن قراءة التخفيف هاهنا تفيد أنهم لا يسمعون الكذب أصلا ، لأن الكذاب بالتخفيف والكذب واحد لأن أبا علي الفارسي قال : كذاب مصدر كذب ككتاب مصدر كتب فإذا كان كذلك كانت القراءة بالتخفيف تفيد المبالغة في النفي ، وقراءة التشديد في الأول تفيد المبالغة في الثبوت فيحصل المقصود من هذه القراءة في الموضعين على أكمل الوجوه ، فإن أخذنا بقراءة الكسائي فقد زال السؤال ، وإن أخذنا بقراءة التشديد في الموضعين وهي قراءة الباقين ، فالعذر عنه أن قوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً إشارة إلى ما تقدم من قوله : وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً والمعنى أن هؤلاء السعداء لا يسمعون كلامهم المشوش الباطل الفاسد ، والحاصل أن النعم الواصلة إليهم تكون خالية عن زحمة أعدائهم وعن سماع كلامهم الفاسد وأقوالهم الكاذبة الباطلة .