فخر الدين الرازي

20

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قال الزجاج : كُلَّ منصوب بفعل مضمر يفسره أَحْصَيْناهُ والمعنى : وأحصينا كل شيء وقرأ أبو السمال ، وكل بالرفع على الابتداء . المسألة الثانية : قوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ أي علمنا كل شيء كما هو علما لا يزول ولا يتبدل ، ونظيره قوله تعالى : أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [ المجادلة : 6 ] واعلم أن هذه الآية تدل على كونه تعالى عالما بالجزئيات ، واعلم أن مثل هذه الآية لا تقبل التأويل : وذلك لأنه تعالى ذكر هذا تقريرا لما ادعاه من قوله : جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 26 ] كأنه تعالى يقول : أنا عالم بجميع ما فعلوه ، وعالم بجهات تلك الأفعال وأحوالها واعتباراتها التي لأجلها يحصل استحقاق الثواب والعقاب ، فلا جرم لا أوصل إليهم من العذاب إلا قدر ما يكون وفاقا لأعمالهم ، ومعلوم أن هذا القدر إنما يتم لو ثبت كونه تعالى عالما بالجزئيات ، وإذا ثبت هذا ظهر أن كل من أنكره كان كافرا قطعا . المسألة الثالثة : قوله : أَحْصَيْناهُ كِتاباً فيه وجهان : أحدهما : تقديره أحصيناه إحصاء ، وإنما عدل عن تلك اللفظة إلى هذه اللفظة ، لأن الكتابة هي النهاية في قوة العلم ، ولهذا قال عليه السلام « قيدوا العلم بالكتابة » فكأنه تعالى قال : وكل شيء أحصيناه إحصاء مساويا في القوة والثبات والتأكيد للمكتوب ، فالمراد من قوله كتابا تأكيد ذلك الإحصاء والعلم ، واعلم أن هذا التأكيد إنما ورد على حسب ما يليق بأفهام أهل الظاهر ، فإن المكتوب يقبل الزوال ، وعلم اللّه بالأشياء لا يقبل الزوال لأنه واجب لذاته القول الثاني : أن يكون قوله كتابا حالا في معنى مكتوبا والمعنى وكل شيء أحصيناه حال كونه مكتوبا في اللوح المحفوظ ، كقوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ أو في صحف الحفظة . ثم قال تعالى : [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 30 ] فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً ( 30 ) واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال العقاب أولا ، ثم ادعى كونه جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 26 ] ثم بين تفاصيل أفعالهم القبيحة ، وظهر صحة ما ادعاه أولا من أن ذلك العقاب كان جَزاءً وِفاقاً لا جرم أعاد ذكر العقاب ، وقوله : فَذُوقُوا والفاء للجزاء ، فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ، فهذا الفاء أفاد عين فائدة قوله : جَزاءً وِفاقاً . المسألة الرابعة : هذه الآية دالة على المبالغة في التعذيب من وجوه : أحدها : قوله : فَلَنْ نَزِيدَكُمْ وكلمة لن للتأكيد في النفي وثانيها : أنه في قوله : كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً [ النبأ : 27 ] ذكرهم بالمغايبة وفي قوله : فَذُوقُوا ذكرهم على سبيل المشافهة وهذا يدل على كمال الغضب وثالثها : أنه تعالى عدد وجوه العقاب ثم حكم بأنه جزاء موافق لأعمالهم ثم عدد فضائحهم ، ثم قال : فَذُوقُوا فكأنه تعالى أفتى وأقام الدلائل ، ثم أعاد تلك الفتوى بعينها ، وذلك يدل على المبالغة في التعذيب قال عليه الصلاة والسلام : « هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار ، كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه » بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار : وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [ آل عمران : 77 ] فهنا لما قال لهم : فَذُوقُوا فقد كلمهم ؟ الجواب : قال أكثر المفسرين : تقدير الآية فيقال لهم : فذوقوا ،