فخر الدين الرازي
198
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فما زال يردد هذا عند البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة وبين يديه محمد وهو يقول : لا ندري ماذا نرى من ابنك ، فقال عبد المطلب ولم ؟ قال : إني أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت الناقة أن تقوم ، فلما أركبته أمامي قامت الناقة ، كأن الناقة تقول : يا أحمق هو الإمام فكيف يقوم خلف المقتدى ! وقال ابن عباس : رده اللّه إلى جده بيد عدوه كما فعل بموسى حين حفظه على يد عدوه ورابعها : أنه عليه السلام لما خرج مع غلام خديجة ميسرة أخذ كافر بزمام بعيره حتى ضل ، فأنزل اللّه تعالى جبريل عليه السلام في صورة آدمي ، فهداه إلى القافلة ، وقيل : إن أبا طالب خرج به إلى الشأم فضل عن الطريق فهداه اللّه تعالى وخامسها : يقال : ضل الماء في الليل إذا صار مغمورا ، فمعنى الآية كنت مغمورا بين الكفار بمكة فقواك اللّه تعالى حتى أظهرت دينه وسادسها : العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة ، كأنه تعالى يقول : كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان باللّه ومعرفته إلا أنت ، فأنت ، شجرة فريدة في مفازة الجهل فوجدتك ضالا فهديت بك الخلق ، ونظيره قوله عليه السلام : « الحكمة ضالة المؤمن » وسابعها : ووجدك ضالا عن معرفة اللّه تعالى حين كنت طفلا صبيا ، كما قال : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] فخلق فيك العقل والهداية والمعرفة ، والمراد من الضال الخالي عن العلم لا الموصوف بالاعتقاد الخطأ وثامنها : كنت ضالا عن النبوة ما كنت تطمع في ذلك ولا خطر شيء من ذلك في قلبك ، فإن اليهود والنصارى كانوا يزعمون أن النبوة في بني إسرائيل فهديتك إلى النبوة التي ما كنت تطمع فيها البتة وتاسعها : أنه قد يخاطب السيد ، ويكون المراد قومه فقوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي وجد قومك ضلالا ، فهداهم بك وبشرعك وعاشرها : وجدك ضالا عن الضالين منفردا عنهم مجانبا لدينهم ، فكلما كان بعدك عنهم أشد كان ضلالهم أشد ، فهداك إلى أن اختلطت بهم ودعوتهم إلى الدين المبين الحادي عشر : وجدك ضالا عن الهجرة ، متحيرا في يد قريش متمنيا فراقهم وكان لا يمكنك الخروج بدون إذنه تعالى ، فلما أذن له ووافقه الصديق عليه وهداه إلى خيمة أم معبد ، وكان ما كان من حديث سراقه ، وظهور القوة في الدين كان ذلك المراد بقوله : فَهَدى ، الثاني عشر : ضالا عن القبلة ، فإنه كان يتمنى أن تجعل الكعبة قبلة له / وما كان يعرف أن ذلك هل يحصل له أم لا ، فهداه اللّه بقوله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : 144 ] فكأنه سمى ذلك التحير بالضلال الثالث عشر : أنه حين ظهرها له جبريل عليه السلام في أول أمره ما كان يعرف أهو جبريل أم لا ، وكان يخافه خوفا شديدا ، وربما أراد أن يلقي نفسه من الجبل فهداه اللّه حتى عرف أنه جبريل عليه السلام الرابع عشر : الضلال بمعنى المحبة كما في قوله : إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [ يوسف : 95 ] أي محبتك ، ومعناه أنك محب فهديتك إلى الشرائع التي بها تتقرب إلى خدمة محبوبك الخامس عشر : ضالا عن أمور الدنيا لا تعرف التجارة ونحوها ، ثم هديتك حتى ربحت تجارتك ، وعظم ربحت حتى رغبت خديجة فيك ، والمعنى أنه ما كان لك وقوف على الدنيا ، وما كنت تعرف سوى الدين ، فهديتك إلى مصالح الدنيا بعد ذلك السادس عشر : وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي ضائعا في قومك ؛ كانوا يؤذونك ، ولا يرضون بك رعية ، فقوي أمرك وهداك إلى أن صرت آمرا واليا عليهم السابع عشر : كنت ضالا ما كنت تهتدي على طريق السماوات فهديتك إذ عرجت بك إلى السماوات ليلة المعراج الثامن عشر : ووجدك ضالا أي ناسيا لقوله تعالى : أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [ البقرة : 282 ] فهديتك أي ذكرتك ، وذلك أنه ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة ، فهداه اللّه تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال : « لا أحصي ثناء عليك » التاسع عشر : أنه وإن كان عارفا باللّه