فخر الدين الرازي

197

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أمة محمد : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [ المجادلة : 7 ] فشتان بين أمة رابعهم كلبهم ، وبين أمة رابعهم ربهم . السؤال الثاني : أنه تعالى من عليه بثلاثة أشياء ، ثم أمره بأن يذكر نعمة ربه ، فما وجه المناسبة بين هذه الأشياء ؟ الجواب : وجه المناسبة أن نقول : قضاء الدين واجب ، ثم الدين نوعان مالي وإنعامي والثاني : أقوى وجوبا ، لأن المالي قد يسقط بالإبراء والثاني : يتأكد بالإبراء ، والمالي يقضي مرة فينجو الإنسان منه والثاني : يجب عليك قضاؤه طول عمرك ، ثم إذا تعذر قضاء النعمة القليلة من منعم هو مملوك ، فكيف حال النعمة العظيمة من المنعم العظيم ، فكأن العبد يقول : إلهي أخرجتني من العدم إلى الوجود بشرا سويا ، طاهر الظاهر نجس الباطن ، بشارة منك أن تستر على ذنوبي بستر عفوك ، كما سترت نجاستي بالجلد الظاهر ، فكيف يمكنني قضاء نعمتك التي لا حد لها ولا حصر ؟ فيقول تعالى الطريق إلى ذلك أن تفعل في حق عبيدي ما فعلته في حقك ، كنت يتيما فآويتك فافعل في حق الأيتام ذلك ، وكنت ضالا فهديتك فافعل في حق عبيدي ذلك ، وكنت عائلا فأغنيتك فافعل في حق عبيدي ذلك ثم إن فعلت كل ذلك فاعلم أنك إنما فعلتها بتوفيقي لك ولطفي وإرشادي ، فكن أبدا ذاكرا لهذه النعم والألطاف . أما قوله تعالى : [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 7 ] وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ( 7 ) فاعلم أن بعض الناس ذهب إلى أنه كان كافرا في أول الأمر ، ثم هداه اللّه وجعله نبيا ، قال الكلبي : وَجَدَكَ ضَالًّا يعني كافرا في قوم ضلال فهداك للتوحيد ، وقال السدي : كان على دين قومه أربعين سنة ، وقال مجاهد : وجدك ضالا عن الهدى لدينه واحتجوا على ذلك بآيات أخر منها قوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] وقوله : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [ يوسف : 3 ] وقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] فهذا يقتضي صحة ذلك منه ، وإذا دلت هذه الآية على الصحة وجب حمل قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا عليه ، وأما الجمهور من العلماء فقد اتفقوا على أنه عليه السلام ما كفر باللّه لحظة واحدة ، ثم قالت المعتزلة : هذا غير جائز عقلا لما فيه من التنفير ، وعند أصحابنا هذا غير ممتنع عقلا لأنه جائز في العقول أن يكون الشخص كافرا فيرزقه اللّه الإيمان ويكرمه بالنبوة ، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع وهو قوله تعالى : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى [ النجم : 2 ] ثم ذكروا في تفسير هذه الآية وجوها كثيرة أحدها : ما روي عن ابن عباس والحسن والضحاك وشهر بن حوشب : وجدك ضالا عن معالم النعمة / وأحكام الشريعة غافلا عنها فهداك إليها ، وهو المراد من قوله : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] وقوله : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [ يوسف : 3 ] وثانيها : ضل عن مرضعته حليمة حين أرادت أن ترده إلى جده حتى دخلت إلى هبل وشكت ذلك إليه فتساقطت الأصنام ، وسمعت صوتا يقول : إنما هلاكنا بيد هذا الصبي ، وفيه حكاية طويلة وثالثها : ما روي مرفوعا أنه عليه الصلاة والسلام قال : « ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي ضائع ، كاد الجوع يقتلني ، فهداني اللّه » ذكره الضحاك ، وذكر تعلقه بأستار الكعبة ، وقوله : يا رب رد ولدي محمدا * اردده ربي واصطنع عندي يدا