فخر الدين الرازي
188
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أفضل غير معلوم ولا مشاهد ، والإخبار عن المعلوم بغير المعلوم هو الطريق الحسن ، أما عكسه فغير مفيد ، فتقدير الآية كأنه وقعت الشبهة في أن الأكرم عند اللّه من هو ؟ فقيل : هو الأتقى ، وإذا كان كذلك كان التقدير أتقاكم أكرمكم عند اللّه ، فثبت أن الأتقى المذكور هاهنا لا بد وأن يكون أفضل الخلق عند اللّه ، فنقول : لا بد وأن يكون المراد به أبا بكر لأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد رسول اللّه ، إما أبو بكر أو علي ، ولا يمكن حمل هذه الآية على علي بن أبي طالب ، فتعين حملها على أبي بكر ، وإنما قلنا : إنه لا يمكن حملها على علي بن أبي طالب لأنه قال في صفة هذا الأتقى : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى وهذا الوصف لا يصدق على علي بن أبي طالب ، لأنه كان في تربية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ، ويكسوه ، ويربيه ، وكان الرسول منعما عليه نعمة يجب جزاؤها ، أما أبو بكر فلم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام عليه نعمة دنيوية ، بل أبو بكر كان ينفق على الرسول عليه السلام بل كان للرسول عليه السلام عليه نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين ، إلا أن هذا لا يجزى ، لقوله تعالى : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ * [ الفرقان : 57 ] والمذكور هاهنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى ، فعلمنا أن هذه الآية لا تصلح لعلي بن أبي طالب ، وإذا ثبت أن المراد بهذه الآية من كان أفضل الخلق وثبت أن ذلك الأفضل من الأمة ، إما أبو بكر أو علي ، وثبت أن الآية غير صالحة لعلي ، تعين / حملها على أبي بكر رضي اللّه عنه ، وثبت دلالة الآية أيضا على أن أبا بكر أفضل الأمة ، وأما الرواية فهي أنه كان بلال [ عبدا ] لعبد اللّه بن جدعان ، فسلح على الأصنام فشكا إليه المشركون فعله ، فوهبه لهم ، ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم ، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء وهو يقول : أحد أحد ، فمر به رسول اللّه ، وقال : ينجيك أحد أحد . ثم أخبر رسول اللّه أبا بكر أن بلالا يعذب في اللّه : فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به ، فقال المشركون : ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده ، فنزل : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وقال ابن الزبير وهو على المنبر : كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم ، فقال له أبوه : يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، فقال : منع ظهري أريد فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » في محل : يَتَزَكَّى وجهان : إن جعلت بدلا من يؤتي فلا محل له ، لأنه داخل في حكم الصلة ، والصلات لا محل لها وإن جعلته حالا من الضمير في يُؤْتِي فمحله النصب . [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 20 إلى 21 ] إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) وَلَسَوْفَ يَرْضى ( 21 ) [ قوله تعالى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ] فيه مسائل : المسألة الأولى : ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ مستثنى من غير جنسه وهو النعمة أي ما لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه كقولك ما في الدار أحدا إلا حمارا ، وذكر الفراء فيه وجها آخر وهو أن يضمر الإنفاق على تقدير : ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ، كقوله : وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ [ البقرة : 272 ] . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى بين أن هذا الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى لا يؤتيه مكافأة على هدية أو نعمة سالفة ، لأن ذلك يجري مجرى أداء الدين ، فلا يكون له دخل في استحقاق مزيد الثواب بل إنما يستحق الثواب إذا فعله ، لأجل أن اللّه أمره به وحثه عليه .