فخر الدين الرازي

185

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الخامسة : في دخول السين في قوله : فَسَنُيَسِّرُهُ وجوه أحدها : أنه على سبيل الترفيق والتلطيف وهو من اللّه تعالى قطع ويقين ، كما في قوله : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ * إلى قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * [ البقرة : 21 ] وثانيها : أن يحمل ذلك على أن المطيع قد يصير عاصيا ، والعاصي قد يصير بالتوبة مطيعا ، فهذا السبب كان التغيير فيه محالا وثالثها : أن الثواب لما كان أكثره واقعا في الآخرة ، وكان ذلك مما لم يأت وقته ، ولا يقف أحد على وقته إلا اللّه ، لا جرم دخله تراخ ، فأدخلت السين لأنها حرف التراخي ليدل بذلك على أن الوعد آجل غير حاضر ، واللّه أعلم . أما قوله تعالى : [ سورة الليل ( 92 ) : آية 11 ] وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى ( 11 ) فاعلم أن ( ما ) هنا يحتمل أن يكون استفهاما بمعنى الإنكار ، ويحتمل أن يكون نفيا . وأما تَرَدَّى ففيه وجهان الأول : أن يكون ذلك مأخوذا من قولك : تردى من الجبل : قال اللّه تعالى : وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ [ المائدة : 3 ] فيكون المعنى : تردى في الحفرة إذا قبر ، أو تردى في قعر جهنم ، وتقدير الآية : إنا إذا يسرناه للعسرى ، وهي النار تردى في جهنم ، فما ذا يغني عنه ماله الذي بخل به وتركه لوارثه ، ولم يصحبه منه إلى آخرته ، التي هي موضع فقره وحاجته شيء ، كما قال : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [ الأنعام : 94 ] وقال : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً [ مريم : 80 ] أخبر أن الذي ينتفع الإنسان به هو ما يقدمه الإنسان من أعمال البر وإعطاء الأموال في حقوقها ، دون المال الذي يخلفه على ورثته الثاني : أن تردى تفعل من الردى وهو الهلاك يريد الموت . أما قوله تعالى : [ سورة الليل ( 92 ) : آية 12 ] إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) فاعلم أنه تعالى لما عرفهم أن سعيهم شتى في العواقب وبين ما للمحسن من اليسرى وللمسيء من العسرى ، أخبرهم أنه قد قضى ما عليه من البيان والدلالة والترغيب والترهيب والإرشاد والهداية فقال : إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى أي إن الذي يجب علينا في الحكمة إذا خلقنا الخلق للعبادة أن نبين لهم وجوه التعبد وشرح ما يكون المتعبد به مطيعا مما يكون به عاصيا ، إذ كنا إنما خلقناهم لننفعهم ونرحمهم ونعرضهم للنعيم المقيم ، فقد فعلنا ما كان / فعله واجبا علينا في الحكمة ، والمعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة مذهبهم في مسائل إحداها : أنه تعالى أباح الأعذار وما كلف المكلف إلا ما في وسعه وطاقته ، فثبت أنه تعالى لا يكلف بما لا يطاق وثانيها : أن كلمة على للوجوب ، فتدل على أنه قد يجب للعبد على اللّه شيء وثالثها : أنه لو لم يكن العبد مستقلا بالإيجاد لما كان في وضع الدلائل فائدة ، وأجوبة أصحابنا عن مثل هذه الوجوه مشهورة ، وذكر الواحدي وجها آخر نقله عن الفراء فقال المعنى : إن علينا للهدى والإضلال ، فترك الإضلال كما قال : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] وهي تقي الحر والبرد ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء ، قال : يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي ، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي فذكر معنى الإضلال ، قالت المعتزلة : هذا التأويل ساقط لقوله تعالى : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ [ النحل : 9 ] فبين أن قصد السبيل على اللّه ، وأما جور السبيل فبين أنه ليس على اللّه ولا منه ، واعلم أن الاستقصاء قد سبق في تلك الآية . أما قوله تعالى :