فخر الدين الرازي
182
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : في تفسيره وجوه أحدها : أي والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد ، وقيل : هما آدم وحواء وثانيها : أي وخلقه الذكر والأنثى وثالثها : ما بمعنى من أي ومن خلق الذكر والأنثى ، أي والذي خلق الذكر والأنثى . المسألة الثانية : قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والذكر والأنثى وقرأ ابن مسعود : ( والذي خلق الذكر والأنثى ) وعن الكسائي : وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى بالجر ، ووجهه أن يكون معنى : وَما خَلَقَ أي وما خلقه اللّه تعالى ، أي مخلوق اللّه ، ثم يجعل الذكر والأنثى بدلا منه ، أي ومخلوق اللّه الذكر والأنثى ، وجاز إضمار اسم اللّه لأنه معلوم أنه لا خالق إلا هو . المسألة الثالثة : القسم بالذكر والأنثى يتناول القسم بجميع ذوي الأرواح الذين هم أشرف المخلوقات ، لأن كل حيوان فهو إما ذكر أو أنثى والخنثى فهو في نفسه لا بد وأن يكون إما ذكرا أو أنثى ، بدليل أنه لو حلف بالطلاق ، أنه لم يلق في هذا اليوم لا ذكرا ولا أنثى ، وكان قد لقى خنثى فإنه يخنث في يمينه . [ سورة الليل ( 92 ) : آية 4 ] إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ( 4 ) هذا الجواب القسم ، فأقسم تعالى بهذه الأشياء ، أن أعمال عباده لشتى أي مختلفة في الجزاء وشتى جمع شتيت مثل مرضى ومريض ، وإنما قيل للمختلف : شتى ، لتباعد ما بين بعضه وبعضه ، والشتات هو التباعد والافتراق ، فكأنه قيل : إن عملكم لمتباعد بعضه من بعض ، لأن بعضه ضلال وبعضه هدى ، وبعضه يوجب الجنان ، وبعضه يوجب النيران ، فشتان ما بينهما ، ويقرب من هذه الآية قوله : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الحشر : 20 ] وقوله : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [ السجدة : 18 ] وقوله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] وقال : وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [ فاطر : 21 ] قال المفسرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان . ثم إنه سبحانه بين معنى اختلاف الأعمال فيما قلناه من العاقبة المحمودة والمذمومة والثواب والعقاب ، فقال : [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 5 إلى 10 ] فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ( 10 ) [ في قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ] وفي قوله أَعْطى وجهان : أحدهما : أن يكون المراد إنفاق المال في جميع وجوه الخير من عتق الرقاب