فخر الدين الرازي
173
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الشمس خمس عشرة آية مكية [ سورة الشمس ( 91 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها ( 1 ) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها ( 2 ) قبل الخوض في التفسير لا بد من مسائل : المسألة الأولى : المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي . واعلم أنه تعالى ينبه عباده دائما بأن يذكر في القسم أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمل المكلف فيها ويشكر عليها ، لأن الذي يقسم اللّه تعالى به يحصل له وقع في القلب ، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى . المسألة الثانية : قد عرفت أن جماعة من أهل الأصول قالوا : التقدير ورب الشمس ورب سائر ما ذكره إلى تمام القسم ، واحتج قوم على بطلان هذا المذهب ، فقالوا : إن في جملة هذا القسم قوله : وَالسَّماءِ وَما بَناها [ الشمس : 5 ] وذلك هو اللّه تعالى فيلزم أن يكون المراد ، ورب السماء وربها وذلك كالمتناقض ، أجاب القاضي عنه بأن قوله : وَما بَناها لا يجوز أن يكون المراد منه هو اللّه تعالى ، لأن ( ما ) لا تستعمل في خالق السماء إلا على ضرب من المجاز ، ولأنه لا يجوز منه تعالى أن يقدم قسمه بغيره على قسمه بنفسه ، ولأنه تعالى لا يكاد يذكر مع غيره على هذا الوجه ، فإذا لا بد من التأويل وهو أن ما مع ما بعده في حكم المصدر فيكون التقدير : والسماء وبنائها ، اعترض صاحب « الكشاف » عليه فقال : لو كان الأمر على هذا الوجه لزم من عطف قوله : فَأَلْهَمَها [ الشمس : 8 ] عليه فساد النظم . المسألة الثالثة : القراء مختلفون في فواصل هذه السورة وما أشبهها نحو : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ، وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى فقرءوها تارة بالإمالة وتارة بالتفخيم وتارة بعضها بالإمالة وبعضها بالتفخيم ، قال الفراء : بكسر ضحاها ، والآيات التي بعدها وإن كان أصل بعضها الواو نحو : تلاها ، وطحاها ودحاها ، فكذلك أيضا فإنه لما ابتدئت السورة بحرف الياء أتبعها بما هو من الواو لأن الألف المنقلبة عن الواو قد توافق المنقلبة عن الياء ، ألا ترى أن تلوت وطحوت ونحوهما قد يجوز في أفعالها أن تنقلب إلى الياء نحو : تلى ودحى ، فلما