فخر الدين الرازي
168
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 1 - 3 ] وقال الحسن : قال : أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً فمن الذي يحاسبني عليه ؟ فقيل : الذي قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر على محاسبتك ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، أنهما الثديان ، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه ، واللّه تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعها ، قال القفال : والتأويل هو الأول ، ثم قرر وجه الاستدلال به ، فقال : إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلبا عقولا ولسانا قولا ، فهو على إهلاك ما خلق قادر ، وبما يخفيه المخلوق عالم ، فما العذر في الذهاب عن هذا مع وضوحه وما الحجة في الكفر باللّه من تظاهر نعمه ، وما العلة في التعزيز على اللّه وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطي له ، وهو الممكن من الانتفاع به . ثم إنه سبحانه وتعالى دل عباده على الوجوه الفاضلة التي تنفق فيها الأموال ، وعرف هذا الكافر أن إنفاقه كان فاسدا وغير مفيد ، فقال تعالى : [ سورة البلد ( 90 ) : آية 11 ] فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : الاقتحام الدخول في الأمر الشديد يقال : قحم يقحم قحوما ، واقتحم اقتحاما وتقحم تقحما إذا ركب القحم ، وهي المهالك والأمور العظام والعقبة طريق في الجبل وعر ، الجمع العقب والعقاب ، ثم ذكر المفسرون في العقبة هاهنا وجهين الأول : أنها في الآخرة وقال عطاء : يريد عقبة جهنم ، وقال الكلبي : هي عقبة بين الجنة والنار ، وقال ابن عمر هي : جبل زلال في جهنم وقال مجاهد والضحاك : هي الصراط يضرب على جهنم ، وهو معنى قول الكلبي : إنها عقبة الجنة / والنار ، قال الواحدي : وهذا تفسير فيه نظر لأن من المعلوم أن [ بني ] هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها فحمل الآية عليه يكون إيضاحا للواضحات ، ويدل عليه أنه لما قال : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ [ البلد : 12 ] فسره بفك الرقبة وبالإطعام الوجه الثاني : في تفسير العقبة هو أن ذكر العقبة هاهنا مثل ضربه اللّه لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر ، وهو قول الحسن ومقاتل : قال الحسن عقبة اللّه شديدة وهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن ، وأقول هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى يفاع عالم الأنوار الإلهية ولا شك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق حامية ، ومجاوزتها صعبة والترقي إليها شديد . المسألة الثانية : أن في الآية إشكالا وهو أنه قلما توجد لا الداخلة على المضي إلا مكررة ، تقول : لا جنبني ولا بعدني قال تعالى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [ القيامة : 31 ] وفي هذه الآية ما جاء التكرير فما السبب فيه ؟ أجيب عنه من وجوه الأول : قال الزجاج : إنها متكررة في المعنى لأن معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك ، وقوله : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [ البلد : 17 ] يدل أيضا على معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ولا آمن الثاني : قال أبو علي الفارسي : معنى فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ لم يقتحمها ، وإذا كانت لا بمعنى لم كان التكرير غير واجب كما لا يجب التكرير مع لم ، فإن تكررت في موضع نحو فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى فهو كتكرر ولم : نحو لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [ الفرقان : 67 ] . المسألة الثالثة : قال القفال : قوله : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي هلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة ؟ وأما