فخر الدين الرازي

164

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة البلد عشرون آية مكية [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( 2 ) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) [ في قوله تعالى لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ] أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن اللّه تعالى جعلها حرما آمنا ، فقال في المسجد الذي فيها وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران : 97 ] وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ * [ البقرة : 144 ] وشرف مقام إبراهيم بقوله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [ البقرة : 125 ] وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [ آل عمران : 97 ] وقال في البيت : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [ البقرة : 125 ] وقال : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [ الحج : 26 ] وقال : وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [ الحج : 27 ] وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم اللّه تعالى بها ، فأما قوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ فالمراد منه أمور أحدها : وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها وثانيها : الحل بمعنى الحلال ، أي أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام اللّه تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل : يحرمون أن يقتلوا بها صيدا أو يعضوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له وثالثها : قال قتادة : وَأَنْتَ حِلٌّ أي لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن اللّه تعالى فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء ، فقتل عبد اللّه بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم / قال : « إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن